لا يصح الرجوع عنه ويصح تعليقه بالشرط وإضافته إلى الوقت كما في الخلع من جانب الزوج و الإعتاق على مال من جانب المولى [1] .
وإذا كان هذا مسلك الجمهور فإن المالكية خالفوهم وجعلوا الإيجاب لازمًا فلا يصح للموجب أن يرجع عن إيجابه قبل قبول العاقد الآخر أو انقضائه برسائله المعروفة، وحجتهم في ذلك أن الوعد لازم عندهم فيكون الإيجاب كذلك من باب أولى [2] ، وعلى رأي الجمهور لا يشترط لصحة الرجوع أن يعلم به الظرف الآخر، فلو رجع الموجب عن إيجابه ولم يعلم بذلك القابل، ثم قبل القابل فإنه لا يعتد به إلا إذا قبله الموجب إذ يعتبر في تلك الحالة إيجابًا جديدًا، كما يستوي هنا أن يكون التعاقد بين حاضرين أو غائبين [3] .
بعد هذا يمكن القول بأن الوعد يتفق مع الإيجاب عند الجمهور في أن الإيجاب لا يترتب أي أثر؛ إذ هو جزء من صيغة العقد يحتاج إلى اقتران القبول به حتى يترتب العقد أثره، وكذلك الوعد غير ملزم عند الجمهور، وإن كنا نرى أن اللبس الحقيقي بين الإيجاب والوعد إنما هو في ورود صيغة كل منهما؛ إذ الإيجاب يرد بالماضي والمضارع الخ، والوعد يأتي بالمضارع وهنا يأتي دور القرائن لاستظهار الواقع هل الصيغة للإيجاب أم للوعد؟ وسنزيد ذلك حين الكلام عن أركان الوعد.
أما على رأي المالكية: فإن الإيجاب ملزم فلا يصح للموجب أن يرجع عنه، كذلك الوعد ملزم فهناك شبه بين كل منهما.
ويعرف الإيجاب في القانون بأنه:
العرض الصادر من شخص يعبر به على وجه جازم عن إرادته في إبرام عقد معين بحيث إذا ما اقترن به قبول مطابق له انعقد العقد.
ومن هنا وجب أن يكون العرض جازمًا خرج الدعوة إلى التفاوض وما يشبهها، كذلك يلزم أن يكون العرض متضمنًا كافة العناصر الأساسية للعقد المراد إبرامه، ففي البيع يشتمل على المبيع والثمن وفي الإدارة يشتمل على المعين المؤجر والأجرة وهكذا، ولا يكتمل الوجود القانوني للإيجاب ويكون صالحًا لإنتاج آثاره أي صلاحيته؛ لأن يقترن به قبول إلا بعد أن يتصل بعلم من وجه إليه، ويعد وصوله قرينة على العلم ما لم يقم دليل على عكس ذلك، ولذلك يحق للموجب أن يرجع عن إيجابه طالما لم يصل إلى علم من وجه إليه، فإذا كان أرسل له خطابًا بالبريد له أن يسترد من البريد قبل وصوله إلى القابل وهكذا، أما بعد وصوله إلى علم من وجه إليه فلا يصح العدول عن الإيجاب إذا اقترن بميعاد صريح أو ضمني.
والميعاد الصريح: كأن ينص على مدة شهر مثلًا.
والضمني: يستخلص من الظروف أو من طبيعة المعاملة، فالتاجر الذي يتقدم في مناقصة حكومية يلزم بالبقاء على إيجابه حتى تاريخ فتح المظاريف، وإذا كان التعاقد بين غائبين فلا يكون إلا ملزمًا، فيبقى ملزمًا طوال المدة اللازمة لوصول الإيجاب إلى علم من وجه إليه والرد عليه بالطرق العادية، ويبدو أن أساس القوة
(1) وانظر المحتار ج4 ص513، 527 البحر الرائق ج 5 ص290.
(2) مواهب الجليل ج4 ص241، حاشية الدسوقي ج3 ص4، نظرية الالتزام د/ عبد الناصر العطار ص70.
(3) انظر في ذلك البدائع السابق، رد المحتار السابق، فتح القدير السابق، الروض المربع ج2 ص24.