الوعد والالتزام
تعريف الالتزام اصطلاحًا:
عرفه الحطاب من فقهاء المالكية بأنه: إلزام الشخص نفسه شيئًا من المعروف مطلقًا أو معلقًا على شيء فهو بمعنى العطية، وقد يطلق في العرف على ما هو أخص من ذلك وهو التزام المعروف بلفظ الالتزام وهو الغالب في عرف الناس [1] اليوم، ومثال الالتزام المطلق أن يلزم الشخص نفسه بالاتفاق على شخص مدة معينة، ومثال الالتزام المعلق، أو يقول شخص آخر: «إن أسكنتني دارك سنة فلك كذا فيقبل» فيشترط فيه شروط الإجارة، أو أن يقول زوج لزوجته: «إن أعطيتني ألفًا فارقتك فتقبل» فيكون الالتزام بالخلع إذا أعطي المبلغ [2] وهكذا.
والمعروف هو الأمر الجائز شرعًا كما عرفنا سابقًا إذ هو الذي يقابل المنكر وبالتالي فلا يقتصر على التبرع كما هو واضح من التعريف بل يشمل المعارضات كما فهم من تتبع كلام الحطاب في رسالته الالتزام [3] .
وإذا كان الالتزام من جانبين فهو العقد، وإذا كان من جانب واحد فهو العهد والإرادة المنفردة [4] .
والالتزام يختلف عن الوعد؛ إذ الالتزام يرتب أثرًا شرعيًا بمجرد إصداره، أما الوعد فهو لا يرتب التزامًا عند جمهور الفقهاء [5] ، وإذا كان الالتزام مصدره العهد، فلقد عرفنا التفرقة بين العقد والوعد وإذا كان الالتزام مصدره العهد والإرادة المنفردة، فلقد عرفنا التفرقة بين العهد والوعد أيضًا.
ويعرف الالتزام في القانون بأنه:
حالة قانونية أو رابطة قانونية بمقتضاها شخص هو المدين بالقيام بأداء مالي معين لمصلحة الدائن، يستوي أن يكون هذا الأداء إعطاء شيء كالتزام المشتري يدفع الثمن أو القيام بعمل كالتزام المؤجر بتمكين المستأجر من الانتفاع بالعين المؤجرة، أو التزام بالامتناع عن عمل كالتزام بائع المحل التجاري بعدم فتح محل آخر من نفس النوع في المنطقة التي يوجد بها المحل الأول [6] .
معنى ما سبق أن الالتزام في القانون يختلف عنه في الشريعة من وجوه: أهمها: إن مصدر الالتزام في الشريعة هو إرادة الشخص الملتزم نفسه، أما في القانون فقد يكون المصدر هو إرادة الشخص كما في العقد والإرادة المنفردة وقد يكون المصدر غير ذلك كالفعل الضار [7] .
ونرى أيضًا أن الوعد في القانون يختلف عن الالتزام؛ إذ الوعد لا يرتب أثرًا في الحال بخلاف الالتزام الذي يتطلب القيام بالأداء.
الوعد والإيجاب الملزم
والإيجاب عند جمهور الفقهاء [8] : هو التعبير الذي يصدر عن الملك سواء صدر أولًا أم ثانيًا، والقبول هو ما صدر من المتملك سواء صدر أولًا أو ثانيًا، ففي عقد البيع الإيجاب هو الذي يصدر من البائع والقبول هو الذي يصدر من المشتري.
أما عند جمهور الأحناف: فالإيجاب هو ما يصدر من العاقدين أولًا سواء أكان مملكًا أو متملكًا، والقبول هو ما صدر من العاقد الثاني ثانيًا، والصورة واضحة في عقد البيع أيضًا، والواقع أن هذا الخلاف لا يؤدي إلى نتيجة عملية، فكل ما صدر أولًا يعد إيجابًا إذا الإيجاب معناه الإثبات، فكان القول الأول أصلًا لإثبات الالتزام، والثاني يعد قبولًا؛ لأنه يجيء مبنيًا ورضًا بما تضمنه القول الأول [9] .
والظاهر من كلام جمهور فقهاء الشريعة أن القوة الملزمة للعقد والتي بموجبها يرتب أثره تكون لمجموع الإيجاب والقبول، وبالتالي فليس للإيجاب قوة ملزمة في حد ذاته وعلى ذلك يحق للموجب أن يرجع عن إيجابه طالما لم يقترن به قبول من الطرف الآخر؛ لأن ذلك لا يبطل حقًا للغير؛ إذ لم يثبت له حق حتى يقال بإبطاله، كذلك فإن الموجب هو الذي أثبت للقابل الولاية في القبول فله أن يرفعها كالموكل له الحق في عزل الوكيل، وأيضًا لو لم يجز الرجوع لزم تعطيل حق الملك - الموجب - بحق المتملك - القابل - وهذا لا يجوز بدليل أن الثابت للوالد في مال ولده حق التمسك له عند الحاجة وقبل تملكه بالفعل كان للولد أن يتصرف فيه كيف شاء [10] ، وقد يكون الإيجاب ملزمًا عند الجمهور في بعض الحالات، ولكن ليس لأنه اشتمل على معنى لا يجوز الرجوع فيه بل بالنظر إلى طبيعة العقد الذي كان فيه هذا الإيجاب من ذلك الخلع فإذا صدر بشأنه الإيجاب من الزوج فلا يصح له الرجوع فيه؛ لكونه يمينًا؛ لأنه تعليق الطلاق بقبول المال، وكذلك تمليك المرأة أمر نفسها فإن الزوج يتقيد بإيجابه وليس له الرجوع - وعلى الزوجة أن تقبل في المجلس - لأنه بالنسبة للزوج طلاق معلق على قبولها أي إسقاط، والإسقاط المعلق إذا وقع لا يصح للشخص أن يرجع فيه؛ لأن الساقط لا يعود، ولقد وضح ذلك البعض [11] إن كل موضع لا يتوقف الشطر على ما وراء المجلس يصح الرجوع عنه ولا يصح تعليقه بالشرط وإضافته إلى الوقف؛ كما في البيع والإجارة والكتابة وفي كل موضع يتوقف الشطر على ما وراء المجلس
(1) انظر (فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك للشيخ عليش ج 1 ص217 ط 1378 هـ - 1958 م.
(2) السابق ص 230، 257.
(3) أستاذنا الدكتور/ عبد الناصر العطار، نظرية الالتزام ص19.
(4) انظر رسالتنا للدكتوراه: النيابة عن الغير في التصرفات المالية ص 22.
(5) نظرية الأجل في الالتزام د/ عبد الناصر العطار ص 41، ونظرية الالتزام له أيضًا ص22، 25.
(6) مصادر الالتزام د/ إسماعيل غانم 31، 33.
(7) نظرية الأجل ص 41 د/ عبد الناصر العطار ونظرية الالتزام له أيضًا ص22.
(8) والإيجاب عند الأصوليين هو: خطاب الشارع الطالب للفعل مع المنع من الترك كقوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ) سورة البقرة آية: 43، أما الواجب فيعرف بأنه: ما طلب الشارع فعله طلبًا جازمًا، من هنا يتضح أن الإيجاب: هو خطاب الشارع الخ: والأثر المترتب على هذا الخطاب وهو الحكم الفقهي هو الوجوب. والفعل الذي يتعلق به الإيجاب ويتصف بالوجوب هو الواجب، وذلك واضح بالنسبة لكل من الصلاة والزكاة في الآية، انظر شرح البدخشي على منهاج الوصول في علم الأصول للبيضاوي ج1 ص40، 41، الأحكام في أصول الإحكام ج1 ص138.
(9) رد المحتار على الدر المختار ج4 ص506، الهداية ج3 ص21، بدائع الصنائع ج4 ص134، 138، الشرح الكبير للدردير (حاشية الدسوقي ج 3 ص 3، الخرشي على مختصر خليل ج5 ص6، مغني المحتاج ج2 ص3، الروض المربع ج 2 ص 23، المغني لابن قدامة ج3 ص561، الملكية للشيخ أبو زهرة ص202، نظرية العقد للشيخ شوكت ص8، 9.
(10) فتح القدير ج5 ص78 وما بعدها، البدائع ص134، 138، رد المحتار ج4 ص513، 527، والمغني ج3 ص565.
(11) انظر البدائع ج5 ص 138.