فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 33

الوعد فرد من أفراد العهد؛ إذ هو من التصرفات التي تتم من جانب واحد إلا أن الخلاف في مدى لزومه، فقد رأينا تصرفات كثيرة تتم بإرادة واحدة ورتب الشارع آثارها بمجرد صدروها على عكس الوعد.

ومما يدلنا أيضًا على أن الشارع يفرق بين العهد والوعد حديث المصطفى -صلى الله عليه وسلم-: «أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف وإذا خاصم فجر» [1] ، فلقد ذكر الرسول -صلى الله عليه وسلم- خصال المنافقين وعدد منها إذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف و «إذا» للتنويع فالعهد خلاف الوعد.

وفي القانون: اختلف فقهاؤه حول صلاحية الإرادة المنفردة [2] وجعلها مصدرًا للالتزام كالعقد، مع الاتفاق على أنه هناك الكثير من التصرفات التي تتم بالإرادة المنفردة وترتب آثارها القانونية كإجازة العقد القابل للإبطال فإنها تصحح العقد نهائيًا وتجعله غير مهدد بالبطلان، وإقرار العقد يجعله يسري في حق المقر وهكذا [3] ، أما بالنسبة لجعلها مصدرًا للالتزام فكانت مثارًا لاختلاف فقهاء القانون فمن الفقهاء من منع ذلك ومنهم من يرى أنها تصلح، وانتهى الرأي إلى أنها تعد مصدرًا في حالات خاصة ينص عليها القانون، وتعد مصدرًا استثنائيًا للالتزام ومن تلك الحالات في القانون المدني المصري (الإيجاب الملزم(م/ 93 مدني) والوعد بجائزة (م/ 162 مدني) .

ويظهر من خلال منهج القانون أن هناك من التصرفات ما تتم بالإرادة المنفردة في الفقه الإسلامي وهي عقود في الفقه الغربي؛ إذ كما رأينا أنه لم يأخذ بالإرادة المنفردة كمصدر للالتزام إلا في حالات استثنائية [4] .

ومن ثم يتضح أن الوعد بالتعاقد يختلف عن التصرف الذي يتم بالإرادة المنفردة في القانون؛ إذ لو نظرنا إلى بعض الحالات التي أخذ بها القانون كالوعد بجائزة نجد أنه يترتب أثره منذ انعقاده، فمثلًا إذا حدد الواعد مدة لمن يقوم بالعمل فإنه لا يجوز للواعد أن يرجع في وعده، وإذا لم تحدد مدة ليتم العمل فيها فإنه يلزم بإعطاء الجائزة لمن قام بالعمل الذي طلبه الخ. تلك الآثار [5] مما يدل على أن الأثر قد ترتب مباشرة، أما الوعد بالتعاقد فبالرغم من أنه عقد كما قلنا إلا أنه يمهد لعقد آخر وكونه ملزمًا للواعد أو ملزما للجانبين إذا كان الوعد مزدوجًا لا يغير من طبيعته، وكما هو واضح أن الوعد عقد أي يلزم له إيجاب وقبول، أما التصرف بالإرادة المنفردة فهو يتم من جانب واحد فقط.

(1) سبل السلام ج4 ص1574.

(2) ويقصد بها إرادة شخص واحد إلى إحداث أثر قانوني (الوجيز في مصادر الالتزام د/ محمود جمال الدين زكي، ص205، وهي التي تقابل العهد في الفقه الإسلامي.

(3) مصادر الحق د/ السنهوري ج1 ص46.

(4) نظرية الالتزام د/ عبد الناصر العطار ص 289، مصادر الالتزام د/ إسماعيل غانم ص393، 394.

(5) مصادر الالتزام د/ إسماعيل غانم ص 391، الوسيط د/ السنهوري ج1 ص1302.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت