بدين ولا دنيا. ومتى كان حريصا ولكن على غير الأمور النافعة إما على أمور ضارة، أو مفوِّتَة للكمال كان ثمرة حرصه الخيبة، وفوات الخير، وحصول الشر والضرر، فكم من حريص على سلوك طرق وأحوال غير نافعة لم يستفد من حرصه إلا التعب والعناء والشقاء.
ثم إذا سلك العبد الطرق النافعة وحرص عليها واجتهد فيها لم تتم له إلا بصدق اللجأ إلى الله والاستعانة به على إدراكها وتكميلها، وأن لا يتكل على نفسه وحوله وقوته، بل يكون اعتماده التام بباطنه وظاهره على ربه. فبذلك تهون عليه المصاعب وتتيسر له الأحوال، وتتم له النتائج والثمرات الطيبة في أمر الدين وأمر الدنيا." [1] "
وأمور الخير موجودة في كل مكان، فيسعى طالب العلم إلى التي تنفعه، لا سيما إن تعارضت مع رحلته في الطلب، فحينها فليجمع بين أشغاله ورحلته ما استطاع إلى ذلك سبيلا، فإن تعسر الأمر عليه نظر في الأصلح منهما حتى لا يفوته ما هو أهم في حالته التي هو فيها، وكلُّ واحد أعلم بحاله وبما يصلحها.
الوصية الرابعة بين مكة والمدينة
عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ وهو يأرز بين المسجدين كما تَأرِزُ الحية إلى جحرها." [2]
قال النووي في شرح مسلم (2/ 177) :"وقوله صلى الله عليه و سلم وهو يأرز بياء مثناة من تحت بعدها همزة ثم راء مكسورة ثم زاي معجمة هذا هو المشهور وحكاه صاحب المطالع (مطالع الأنوار) عن أكثر الرواة، قال وقال أبو الحسين بن سراج: (ليأرز) بضم الراء وحكى القابسي فتح الراء ومعناه ينضم ويجتمع هذا هو المشهور عند أهل اللغة والغريب، وقيل في معناه غير هذا مما لا يظهر، وقوله صلى الله عليه و سلم (بين المسجدين) أي مسجدَي مكة والمدينة."انتهى.
(1) بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار (38 - 39) الطبعة الرابعة وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد - المملكة العربية السعودية (1423هـ) .
(2) أخرجه مسلم (146) .