الصفحة 10 من 48

الشَّاعِرِ قَالَ: سَمِعْتُُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا يَقُولُ:"جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَاسْتَاذَنَهُ فِي الْجِهَادِ، فَقَالَ: أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ." [1] وقد عقد البخاري في صحيحه (باب لا يجاهد إلا بإذن الأبوين) وذكر هذا الحديث، قال ابن حجر في قوله (ففيهما فجاهد) :"أي إن كان لك أبوان فأبلغ جهدك في برهما والإحسان إليهما فإن ذلك يقوم لك مقام قتال العدو." [2]

وطالب العلم لا بد له قبل خروجه في الطلب من إذن والديه، لأن غالب من يخرج فيه يسعى لتحصيل الكفائي منه، ولكن إن كان الخروج للعلم العيني وهو تعلم (ما يفيد معرفة ما يجب على المكلف من أمر دينه في عبادته ومعاملاته والعلم بالله وصفاته، وما يجب له من القيام بأمره وتنزيهه عن النقائص) [3] فلا بد له من الخروج لنيله لتعلقه بالعامِل، كمن وجبت عليه حجة الإسلام واستطاعها فإنه لا يشترط لها إذن الوالدين على الصحيح لتعارض أمر الله تعالى مع أمرهما بالقعود، فإن كانت الرحلة لنيل الكفائي من العلم والاستزادة منه في غير عينه اشترط الإذن، فإن مُنِعَ فعليه بالسمع والطاعة، ولْيسع في إرضائهما وبرهما فهو مفتاح الخير كله، قال أبو بكر الخطيب البغدادي: (والطلب المفروض على كل مسلم إنما هو طلب العلم الذي لا يسع جهله فتجوز الرحلة بغير إذن الأبوين إذا لم يكن ببلد الطالب من يعرّفه واجبات الأحكام وشرائع الإسلام فأما إذا كان قد عرف علم المفترض عليه فتكره له الرحلة إلا بإذن أبويه) [4] ، فكم من عالم أطاع والديه في عدم الخروج لطلب العلم ففتح الله عليه من أبواب الفهوم والعلوم الشيء الكثير، ومن ذلك الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى كما هو معروف من سيرته.

فعلى طالب العلم أن يسعى جاهدا في مرضاة والديه للخروج في طلب العلم، فإن كان العلم مما هو كفائيَ أو مُنِع من الخروج فليَعلَم أن البركة في البقاء وأن بِرَّ الوالدين مفتاح

(1) البخاري (3004) ومسلم (6596) .

(2) فتح الباري (10/ 403) دار المعرفة بيروت.

(3) فتح الباري (1/ 14) دار المعرفة بيروت.

(4) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (2/ 228) مكتبة المعارف الرياض تحقيق: د. محمود الطحان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت