موجودة في كل عصر وفي كل دولة، لأن السلطان في نفسه ضعيف يحمل أمرا ثقيلا، فلابد له من الاستعانة بأبناء جنسه في ضرورة معاشه وسائر مهنه وسياسة نوعه، ومن استرعاه الله من خلقه وعباده [1] .
13 -فاسم الوزارة ليس مبتكرا في دولة بني العباس وإنما كان موجودا منذ نشأة الدولة الإسلامية [2] ، ولكن ظهر منصب الوزارة وتميزت أسسها، وتقررت دعائمها، وتقننت قوانينها، وتأصلت قواعدها في الدولة العباسية. يقول"ابن طباطبا": (والوزارة لم تتمهد قواعدها وتتقرر قوانينها إلا في دولة بني العباس، فأما قبل ذلك فلم تكن مقننة القواعد ولا مقررة القوانين، بل كان لكل واحد من الملوك أتباع وحاشية، فإذا حدث أمر استشاري ذوي الحجا والآراء الصائبة، فكل يجري مجري وزير، فلما ملك بنو العباس تقررت قوانين الوزارة وسمي الوزير وزيرا، وكان قبل ذلك يسمى كاتبًا أو مشيرًا [3] ، لأن الحياة الاجتماعية والسياسية.
14 -ونحن نرجح أن رتبة الوزير تختلف عن رتبة الكاتب والمشير ولكن لما تقررت قوانين الوزارة وثبتت دعائمها في الدولة العباسية الوزير يمارس الأعمال التي كان يمارسها الكاتب من قبل. ويؤيد رأينا: أن الملوك والخلفاء كانوا لا يستوزرون إلا الكامل من كتابهم والأمين العفيف من خاصتهم، الناصح الصدوق من رجالاتهم، ومن يأمنونهم على أسرارهم وأموالهم، ويثقون بحزمه وفضل رأيه وصحة تدبيره في أمورهم [4] .
المبحث الثالث
أقسام الوزارة في الدولة الإسلامية
15 -تنقسم الوزارة في الدولة الإسلامية إلى قسمين: وزارة التفويض ووزارة التنفيذ [5] . ويعزو"ابن خلدون"هذا التقسيم إلى استبداد الوزير تارة أخرى، فماذا استبد رئيس الدولة كانت الوزارة القائمة وزارة تنفيذ، أما إذا استبد الوزير على رئيس الدولة.
صارت الوزارة وزارة تفويض. فهو يقول: (ثم جاء في الدولة العباسية شأن الاستبداد على السلطان، وتعاون فيها استبداد الوزارة مرة والسلطان أخرى، وصار الوزير إذا محتاجا إلى استنابه الخليفة إياه لذلك لتصح الأحكام الشرعية، وتجئ على حالها كما تقدم، فانقسمت الوزارة حينئذ إلى وزارة تنفيذ، وهي حال ما يكون السلطان قائما على نفسه. وإلى وزارة تفويض، وهي حال ما يكون الوزير مستبدا عليه) [6] .
16 -وقد فند"الدكتور الريس"كلام"ابن خلدون"فقال: (ينبغي التنبيه إلى أن هذا التعليل لا يتفق مع الخصائص والشروط التي عرفناها فيما تقدم عن طبيعتي وزارة التفويض والتنفيذ، ولاسيما الأولى، لأنها هي المقصود أولا في التعليل) [7] . وبين"الدكتور الريس"أن"الماوردي"ساق حديثه عن حديثه عن وزارة التفويض منذ البداية على أنها وزارة مشروعة
(1) عبد الرحمن بن خلدون: مقدمة ابن خلدون- المرجع السابق جـ2 ص771.
(2) انظر في تاريخ الوزارة بالدولة الإسلامية: ظافر القاسمي: نظام الحكم في الشريعة والتاريخ الإسلامي"الحياة الدستورية"المرجع السابق ص410 - 420 والدكتور على عبد القادر مصطفى: الوزارة في النظام الإسلامي وفي النظم الدستورية المعاصرة المرجع السابق ص87 - 148. ومحمد أبو الفتح محمد البسيوني: تحقيق"الدر النصير في آداب الوزير"المرجع السابق ص123، 134
(3) ابن طباطبا محمد بن على المعروف بأبن الطقطقي: الفخري في الآيات السلطانية والدول الإسلامية - طبعة القاهرة سنة 1345هـ 1927م، ص136، 137
ويقول"عبد الرحمن بن خلدون": (ثم استفحل الملك بعد ذلك فظهر المشاور والمعين في أمور القبائل والعصائب واستثلافهم وأطلق عليه اسم الوزير وبقى أمر الحسبان في الموالي والذميين، واتخذ للسجلات كاتب مخصوص حوطة على أسوار السنطان أن تشتهر فتفد سياسة مع قومه، ولم يكن بمثابة الوزيري، لأنه إنما احتيج له من حيث الخط والكتاب، لا من حيث اللسان الذي هو الكلام، إذ اللسان لذلك العهد على حالة لم يفسد، فكانت الوزارة لذلك أرفع رتبهم يومئذ. هذا في سائر دولة بني أمية) ، - مقدمة ابن خلدون- المرجع السابق جـ2 ص776.
(4) أبو الحسن على بن الحسين بن على المسعردي، التنبيه والإشراف- طبعة دار التراث ببيروت سنة 1388هـ- 1968م، ص294. ومحمد أحمد برائق، الوزراء العباسيون- المطبعة النموذجية بالقاهرة- طبعة لجنة البيان العربي سنة 1367هـ- 1948م، ص5، 6.
(5) أبو الحسن الماوردي: الأحكام السلطانية -المرجع السابق ص22 وأبو يعلى: الأحكام السلطانية -ورجع السابق ص29، والمبارك بن خليل الخازندار البدري: آداب السياسة بالعدل - مخطوط بدار الكتب المصرية برقم 4300هـ أدب، مصور في معهد المخطوطات بالقاهرة دون كوبريلي ص103، 104. وقوانين الخلفاء والسلاطين المعروف بحدائق الياسمين- مخطوط بدار الكتب المصرية رقم 6889 ورقة55. وأبو عبد الله بن الأزرق المتوفى سنة 896ه_: بدائع السلك في طبائع الملك: الدكتور على سامي النشار، طبعة دار الحرية للطباعة بالعراق سنة 1977م، جـ1 ص176، 180، 181، وأبو العباس أحمد بن أعلى بن أحمد بن عبد الله الشهاب بن الجمال بن أبي اليمن القلقشندي: مأثر الأنافة- تحقيق عبد الستار أحمد فراج، طبعة وزارة الثقافة والأنباء في الكويت سنة 1964م، جـ1 ص74، 75، وبدر الدين بن جماعة: تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام- تحقيق: عبد المجيد بن معاز، طبعة دار المصطفى سنة 1975م، ص198.
وقسم"أبو منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي المتوفى سنة 429هـ. الوزارة إلى: مطلقة ومقيدة، وعامة وخاصة كالوكالة."
أنظر: تحفة الوزارة- تحقيق: حبيب على الراوي، والدكتورة ابتسام مرهون الصفار- مطبعة العاني ببغداد سنة 1977م، 75،76. وشهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب النويري المتوفى في سنة 733هـ. نهاية الأدب في فنون الأدب- طبعة دار الكتب المصرية جـ6 ص98، وأبو سالم محمد بن طلحة القرشي النصيبي المتوفى في سنة 652هـ: العقد الفريد للملك السعيد- مطبعة الوطن سنة 1306هـ، وطبعة سنة 1310هـ ص146: وزاد"شهاب الدين أبو القباس أحمد بن إدريس القرافى المتوفى سنة 684هـ"إلى هذين القسمين: وزارة الاستشارة، وهي أدنى الأقسام. انظر الأحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام. تحقيق: محمد عرنوس، وعزت العطار- الطبعة الأولى بمطبعة الأنوار سنة 1357هـ، 43، وعبد الرحمن بن عبد الله ابن نصر بن عبد الرحمن الشيزرى المتوفى سنة 589هـ: المنهج الملوك في سياسة الملوك- بالتحقيق الذي حصل به"على عبد الله المرسي"على درجة الماجستير من كلية الشريعة والقانون- جامعة الأزهر سنة 1400هـ 1980م، ص140.
(6) عبد الرحمن بن خلدون: مقدمة ابن خلدون- المرجع السابق جـ2 ص777.
(7) الدكتور محمد ضياء الدين الريس: النظريات السياسية الإسلامية- المرجع السابق ص233.