وسلامه عليه: (من ولي منكم عملا فأراد الله به خيرا جعل له وزيرا صالحًا أن نسى ذكره، وإن ذكر أعانه) [1] .
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقصد بلفظ"الوزير"- الذي ورد في أحاديثه التي تتعرض لمشاكل الحكومة- الإنسان الذي يؤازر ويساعد رئيس الدولة أعباء مسئولياته [2] لأن المقصود الأسمى للنظام الإسلامي حسب الشريعة الإسلامية هو تحقيق مصالح الناس ورفع الضرر عنهم، والتضامن في تنفيذ ما أمر الله به، وفي منع ما نهى الله عنه [3] .
3 -أن هذا اللفظ ورد في أقوال الصحابة، فقد قال أبو بكر الصديق للأنصار يوم اجتماع سقيفة بني ساعده بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم: (نحن الأمراء وأنتم الوزراء [4] ، الأمر بيننا وبينكم كقد الأبلمة) [5] .
وقال الخليفة أبو بكر الصديق في مرض موته: (وودت أني يوم سقيفة بني ساعده كنت قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين: عمر أو أبي عبيدة، فكان أمرا وكنت وزيرا) [6] .
وروى أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أرسل عمار بن ياسر، وعبد الله بن مسعود إلى أهل الكوفة وقال: (إني بعثت إليكم بعمار بن ياسر أميرا، وعبد الله بن مسعود معلما ووزيرا) وكان عبد الله بن مسعود، يضطلع بأعباء الوزير في الكوفة كما كان معروفا لدى الفرس والروم [7] .
واستقدم الخليفة عثمان بن عفان أمراء من أعمالهم، فأرسل إلى عبد الله بن سعيد بن أبي سرح، وإلى معاوية بن أبي سفيان، وسعيد بن العاص، وعمرو بن العاص، وعبيد الله بن عامر، فلما حضروا شاورهم وقال لهم (أن لكل أمير وزراء نصحاء، وأنكم وزرائي ونصحائي وأهل ثقتي) [8] .
وعرض الصحابة الموجودين بالمدينة الإمامة على علي بن أبي طالب - بعد مقتل عثمان بن عفان- لهم: (التمسوا غيري، فأنا لكم وزيرا خير مني لكم أميرا) [9] .
وقدم ابن الحضرمي البصرة من قبل معاوية بن أبي سفيان وخطب في أهلها واتهم عليا بقتل عثمان، فقام إليه الضحاك بن عبد الله الهلالي فكان مما قال: (أفتأمرنا الآن أن نختلع أسيافنا من أغمادها، ثم يضرب بعضنا ليكون معاوية أميرا، وتكون له وزيرا) [10] .
4 -أن المسلمين كانوا يجاورون ويجارون دولة الفرس ودولة الرم، وكانت كل من هاتين الدولتين تعرف رتبة الوزير وتطلقها على من يعين في هذا المنصب، ولم يختلف مدلول كلمة الوزارة في هاتين الدولتين عن مدلولها الذي أطلقت عليه في الدولة الإسلامية بعد أن قننت قوانينها، وتأسست دعائمها.
5 -إذا كانت رتبة الوزير قد نشأت في الدولة الإسلامية حسب الحاجة إليها، فهذه الحاجة كانت موجودة في صدر الدولة الإسلامية. فقد قرر"ابن خلدون"أن الحاجة إلى الوزير
(1) روه النسائي عن القاسم بن محمد، وأورده سنة أبو عبد الله محمد أحمد القرطبي في: الجامع لأحكام القرآن، مطبعة دار الكتب المصرية، الطبعة الثانية سنة 1383هـ- 1963م، جـ11 ص193.
(2) محمد أسد: مناهج الإسلام في الحكم - نقله إلى العربية: منصور محمد ماضي، مطبعة دار العلم للايين ببيروت- الطبعة الأولى سنة 1957م ص117
(3) الشيخ عبد الوهاب خلاف: السياسة الشرعية أو نظام الدولة الإسلامية في الشئون الدستورية والخارجية والمالية- مطبعة التقدم سنة 1397هـ - 1977م الناشر: دار الانتصار بالقاهرة ص23.
والدكتور مصطفى كمال وصفي: المشروعية في النظام الإسلامي- مطبعة الأمانة بمصر - الطبعة الأولى سنة 1390هـ- 1970م ص19.
(4) الوزراء جمع وزير، وهو الذي يوازر الأمير، فيحمل عنه ما حمله من الأثقال، والذي يلتجئ الأمير إلى رأيه وتدبيره، فهو ملجأ له ومفزع.
انظر مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد الجزري المعروف بابن الأثير: النهاية في غريب الحديث والأثر جـ4 ص207، 208.
(5) ظافر القاسمي: نظام الحكم في الشريعة والتاريخ الإسلامي"الحياة الدستورية"المرجع السابق ص413، 414.
والأبلمة: بضم الهمزة واللام وفتحها وكسرها، وهي الخوصة، تؤخذ وتشق طولا على السواء، وقال: نحن وإياكم في الحكم سواء، لا فضل لأمير على مأمور كالخوصة إذا شقت باثنين متساويين.
انظر- ابن منظور: لسان العرب- مطبعة دار المعارف، المطبعة الجديدة المحققة المرتبة حسب الحروف الهجائية، مادة"بلم"ص352، 353.
(6) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة للإمام على مطبعة عيسى البابي الحلبي بمصر سنة 1329هـ، جـ1 ص130.
(7) الدكتور حسن إبراهيم حسن والدكتور على إبراهيم حسن: النظم الإسلامية - مطبعة السنة المحمدية بالقاهرة- الطبعة الرابعة سنة 1970م ص130 وفي رواية أخرى:"أما بعد فإني قد بعثت إليكم عمارًا أميرا، عبد الله قاضيا ووزيرا، فاسمعوا لهما وأطيعوا فقد آثرتكم بهما".
انظر - أبو اسحاق إبراهيم الشيرازي: المهذب، ومعه: النظم المستعذب في شرح غريب المهذب لمحمد بن أحمد الركبي- مطبعة عيسى البابي الحلبي بمصر جـ2 ص291، وشمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان: تاريخ الإسلام وطبقات المشاهير والإعلام- طبعة القاهرة سنة 1367هـ، جـ2 ص102"ومحمد كرد على: الإسلام والحضارة العربية- مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة الطبعة الثانية سنة 1959م، جـ2 ص131."
(8) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة- المرجع السابق جـ1 ص160
(9) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة- المرجع السابق جـ1 ص56
وفي رواية الطبري: (لا تفعلوا، فاني أكون وزيرًا خير من أن أكون أميرًا) وأبو جعفر محمد بن جرير الطبري: تاريخ الطبري"تاريخ الرسل والملوك"طبعة دار المعارف بمصر سنة 1970م جـ4 ص427.
(10) ابن أبي الحميد: شرح البلاغة- المرجع السابق جـ1 ص349، ويرى بعض الباحثين أن مفهوم الوزارة في عهد الخلفاء الراشدين تغير عن مفهوم الوزارة التي وردت في القرآن الكريم، وعن مفهوم الوزارة التي وردت في السنة النبوية، الوزارة في القرآن الكريم تعني المشاركة في العمل وفي المسئولية وفي كل شيء. أما الوزارة في السنة النبوية فتعني المشاورة، لأن الوزير مستشار أو مشير والفرق بينهما أن المستشار لا يبدي رأيه إلا إذا سئل، أما المشير فله أن يبدي رأيه وإن لم يطلب منه إبداء الرأي. وأما الوزارة في عهد الخلفاء الراشدين فتعنى أنها مرتبة أدنى من الإمارة وأن كان الوزراء يتمتعون بالحقوق التي تتمتع بها الأمراء. فلم تكن الوزارة عملا فخريا، أو مركزًا استشاريًا خالصًا وإنما كانت مشاركة في الحكم ومغانمه.
-ظافر القاسمي: نظام الحكم في الشريعة والتاريخ الإسلامي"الحياة الدستورية". المرجع السابق ص415.