ويقرر"دول ديورانت"أن الحكومة المصرية القديمة من أحسن الحكومات، وكان الوزير على رأس الإدارة كلها يشغل منصب رئيس الوزراء، وقاضي القضاة، وكان الملجأ للمتقاضين لا يعلوه في ذلك إلا الملك وانتقلت الحضارة المصرية القديمة بما تضمنته من مبادئ واتجاهات إلى الفينيقيين والسوريين واليود وأهل كريت واليونان والرومان حتى أضحت جزءا من التراث الثقافي للجنس البشري [1] . فقد تأثرت الحضارة الفارسية واليونانية بالفكر المصري القديم. ويؤيد هذا الرأي: أن"موسى"عليه السلام عاش في مصر القديمة وتأثر بحضارتها، ولذلك استخدم كلمة الوزارة وقال لربه: (واجْعَل لِّي وزِيرًا مِّنْ أَهْلِي) [2] . والحضارة المصرية تضرب في أعماق التاريخ سبعة آلاف سنة، وهي أقدم من الحضارة الفارسية والحضارة اليونانية. ثم انتقلت هذه الكلمة إلى اللغة العربية [3] .
المبحث الثاني
نشأة الوزارة في الدولة الإسلامية
11 -عرفت الدولة الإسلامية الوزارة منذ أن نشأت هذه الدولة واكتملت أركانها [4] . لأن الوزير هو من يستعين به رئيس الدولة [5] . وقد استعان النبي عليه السلام ببعض الصحابة في كثير من أمور الحكم، وإن لم يطلق عليهم اسم"الوزراء". وسبب هذا: أنه صلى الله عليه وسلم كان مأمورا باستشارة عامة أصحابه، والأخذ برأي العالم البصير بالأمور في كل واقعة على حدة. قال الله تعالى: (وشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) [6] . ومن ثم فإنه صلى الله عليه وسلم كان يستعين بأصحابه في أمور الدولة، ويشاورهم في شئونه العامة والخاصة ويؤيد رأينا: أن"ابن خلدون"قرر أن اسم الوزارة يدل على مطلق الإعانة وأن العرب الذين عرفوا الدولة وأحوالها في كسرى وقيصر والنجاشي كانوا يسمون"أبا بكر"وزير النبي صلى الله عليه وسلم [7] . ولكن"ابن خلدون"يقرر في موضع آخر أن لفظ الوزير لم يكن معروفا بين المسلمين لذهاب رتبة الملك بسذاجة الإسلام [8] .
12 -ونحن نرى أن في كلام"ابن خلدون"تناقضا بينا، ومعارضة واضحة، لأن المسلمين عرفوا لفظ"الوزير"ورتبته منذ نشأة الدولة الإسلامية، ويدل على ذلك:
1 -أن لفظ"الوزير"ورد في القرآن الكريم على لسان"موسى"عليه السلام، إذ قال لربه: (واجْعَل لِّي وزِيرًا مِّنْ أَهْلِي) [9] . ولا يختلف مدلول هذا اللفظ الذي ورد في كتاب الله عن مدلوله وقت أن رست قواعد الوزارة في الدولة الإسلامية.
2 -أن هذا اللفظ ورد في السنة النبوية، فقد قال رسول الله صلى عليه وسلم: (ما من نبي إلا له وزيران من أهل السماء ووزيران من أهل الأرض، فأما وزيراي من أهل السماء فجبريل وميكائيل، وأما وزيراي من أهل الأرض فأبو بكر وعمر) [10] . وقال صلوات الله
(1) ول ديورانت: قصة الحضارة- الجزء الثاني من المجلد الأول"الشرق الأدنى"مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر منة 1961م ص92
(2) سورة طه: الآية رقم 29
(3) الدكتور فؤاد عبد المنعم أحمد والدكتور محمد سليمان داود: مقدمة"قوانين الوزارة"المرجع السابق ص26
(4) الدكتور سليمان محمد الطماوي: السلطات الثلاث في الدساتير العربية وفي الفكر السياسي الإسلامي"دراسة مقارنة"- دار الحمامي للطباعة، الطبعة الثانية سنة 1973م ص380 - 381.
والدكتور محمود حلمي: نظام الحكم الإسلامي مقارنا بالنظم المعاصرة -طبعة دار الاتحاد العربي للطباعة- الطبعة الثانية سنة 1973م، الناشر: دار الفكر العربي ص283، 284. والدكتور عبد الحميد متولي: مبادئ نظام الحكم في الإسلام مع المقارنة بالمبادئ الدستورية الحديثة -الطبعة الثالثة سنة 1977م، الناشر: منشأة المعارف بالإسكندرية ص225، 226. وأحمد أمين: ضحى الإسلام -مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة -الطبعة الخامسة سنة 1375هـ - 1956م، الناشر: مكتبة النهضة المصرية، جـ1 ص172.
(5) يقول"أبو العباس القلقشندي": (الوزير هو المتحدث للملك في أمر مملكته) . -صبح الأعشى في صناعة الانشا - طبعة دار الكتب المصرية جـ5 ص448.
(6) سورة أل عمران: الآية رقم 159.
(7) عبد الرحمن بن خلدون: مقدمة ابن خلدون -المرجع السابق جـ2 ص773، 774.
(8) عبد الرحمن بن خلدون: مقدمة ابن خلدون -المرجع السابق جـ2 ص774، 775.
(9) سورة طه: الآية رقم 29
(10) هذا حديث حسن غريب، رواه أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة: الجامع الصحيح"سنن الترمذي"مطبعة البابي الحلبي بمصر، الطبعة الأولى سنة 1385هـ- 1965م، جـ5 ص616، الحديث رقم 2680، ومحمد بخيت المطيعي: حقيقة الإسلام وأصول الحكم- طبعة القاهرة سنة 744هـ، الناشر: مكتبة النصر الحديثة ص120.