ومنصب طبيعي، وأن لها مكانتها في النظام الإداري أو السياسي العام للدولة الإسلامية، حسبما تقرره القواعد الفقهية، والأحكام الشرعية. وقد استنبط العلماء جواز وجود الوزارة من القياس على الوزارة في النبوة، وزاد"الماوردي"فأكد أفضلية وجودها. لأنها تقوية لرئيس الدولة، وتمنعه من الوقوع في الخطأ، ولأنها أصح في تنفيذ الأمور [1] .
17 -ونحن نتفق مع"الدكتور الريس"في رأيه، ونضيف إليه أمرا آخر وهو: أن كل وزارة تختلف في طريقة تقليدها عن الأخرى، إذا لابد في وزارة التفويض من التعاقد بين رئيس الدولة وبين الإنسان الذي يعين وزيرا. أما وزارة التنفيذ فيكفي فيها الإذن، وليس لمن عينه رئيس الدولة وزيرا للتنفيذ إذا وجد ضعفا في رئيس الدولة أن يستبد بالسلطة ويظهر على رئيس الدولة، ويتحول إلى وزير تفويض، ويحتاج إلى استنابته إياه. كما أن وزير التفويض الذي عين في الوزارة بعقد توافر فيه شرطان: إنابة رئيس الدولة له، وتعميم اختصاصاته ليس له أن يتحول إلى وزير تنفيذ لو كان الخليفة قويا ومستبدا بالسلطة، لأن اختصاصاته واسعة من وقت توليه، ولا تحد إلا بإذن رئيس الدولة.
18 -وكان من الممكن أن يستقيم كلام"ابن خلدون"لو أورد أن ورئيس الدولة إذا كان قويا ومستبد بالسلطة فلا يحتاج حينئذ إلى تقليد وزير تفويض، لأنه قائم بأعماله، ومتقلد اختصاصاته بنفسه، وإنما قد يعين وزير تنفيذ ينفذ أوامره، ويمضي أحكامه، وأما إذا كان ضعيفا ومغلوبا على أمره فيحتاج حينئذ إلى تقليد وزير تفويض يقوم بأعمال رئيس الدولة، ويومئذ يستبد وزير التفويض بالدولة، ويكون هو المسيطر على شئونها، والمتغلب على أمورها، وهذا ما قرره كثير من الباحثين، يقول"الدكتور المناوي": (ولقد كان لتفاوت سيطرة الوزراء على شئون الدولة، وتقلب أحوال الوزارة بين ضعف وقوة هو الذي حدا بالمؤلفين- الذين تعرضوا للنظم الإسلامية، ووضعوا لها القوانين- إلى تقسيم الوزارة إلى نوعين: وزارة تنفيذ ووزارة تفويض. والأولى هي التي يكون فيها الخليفة قويا يدبر أمور الدولة بنفسه، مستعينا بالوزارة لتنفيذ أوامره، والثانية يكون فيها ضعيفا أو مشغولا بلهوه، تاركا أمور الدولة في يد الوزير، يتصرف فيها كما يريد، ثم أخذ هؤلاء المؤلفون يستخلصون من الشواهد التاريخية قوانين ونظما ومقاييس لكل نوع) [2] .
19 -ونحن نرجح أن السبب الذي جعل"بن خلدون"يرى هذا الرأي هو: أن التفرقة بين وزارة التفويض ووزارة التنفيذ لم تحدد تحديد واضحا، فقد اتسعت اختصاصات بعض الوزراء اتساعا كبيرًا، حتى طغت شخصية الوزير على شخصية رئيس الدولة، مثل"معاوية بن يساء"و"يعقوب بن داود"وزيري"المهدي، ويحيى البرمكى"وابنيه"الفضل"و"جعفر"في"هارون الرشيد"و"الفضل بن سهل"وأخيه"الحسن ابن سهل"في عهد"المأمون".
(1) الدكتور محمد ضياء الدين الريس: النظريات السياسية الإسلامية- المرجع السابق ص234.
وأنظر- محمد أبو الفتوح محمد البسيوني: تحقيق الدر النظر في آداب الوزير- المرجع السابق ص152، 153
(2) الدكتور محمد حمدي المناوي: الوزارة والوزراء في العصر الفاطمي طبعة دار المعارف بمصر سنة 1970م، ص26