وانكمشت سلطات بعض الوزراء ونكل بهم واضطهدوا، بل وقتلوا إما من الناس وإما من رئيس الدولة، يذكر"آدم متز"أن الغلمان والرجالة شغبوا على الوزير في سنة 303 - 915م يطلبون الزيادة فمضوا إلى داره وأحرقوا بابه، وذبحوا في اصطبله دوابه.
وجميع الوزراء الذين استعفوا أو عزلوا في القرن الرابع إنما فشلوا أما الصعوبات المالية. وفي عام 334هـ- 946م سمع الوزير"أبو الفضل السلمي"- وهو في داره ليلة - جلبة - الخيل، وعلم أن غوغاء العسكر قد اجتمعوا يؤلبون ويلقون عليه الذنب في تأخير أرزاقهم، فدعا بالحلاق فحلق له رأسه، واغتسل بماء ساخن ولبس الكفن ولم يزل ليلته يصلي، ثم دخل الجند عليه وقتله هو ساجد [1] .
وقتل كذلك"حفص بن سليمان أبو سلمة الخلال"أول وزير في الدولة العباسية يعر فبوزير آل محمد، وذلك بتحريض من"السفاح"في رجب سنة اثنتين وثلاثين ومائة للهجرة النبوية. ولم ينج أحد من وزراء السفاح"المنصور"من القتل إلا خالد بن برمك" [2] . ويؤيد رأينا قول"القلقشندي": (أن الوزارة هي أرفع الوظائف عند الفاطميين وأعلاها رتبة، وأنها كانت تارة في أرباب السيوف، وتارة في أرباب الأقلام. وفي كلا الجانبين تارة تعلو فتكون وزارة تفويض، ويعبر عنها حينئذ بالوزارة، وتارة تخبط فتكون دون ذلك، ويعبر عنها بالوساطة) [3] ."
وفي عهد"الراضي 322 - 329هـ"عجز الوزراء عن إدارة الدولة، بسبب ازدياد نفوذ القواد من الأتراك، فرأى هذا الخليفة أن يستميل"محمد رائق"الذي كان يلي واسط والبصرة، وأسند إليه كافة شئون الدولة، ولقبه"أمير الأمراء"وأمر أن يخطب له على جميع المنابر، فأصبح بيده توليه الولاة وعزلهم، وعلت مرتبته على مرتبة الوزير الذي لم يبق له شيء من النفوذ، واقتصر عمله على الحضور إلى دار الخلافة في أيام المواكب مرتديا السواد [4] . ويطل في ذلك العهد أمر الوزارة، فلم يكن الوزير ينظر في شيء من أمر النواحى ولا الدواوين ولا الأعمال، ولا كان له سوى اسم الوزارة فحسب. [5] واختص"ابن رائق"وكاتبه بالنظر في جميع الأمور، وكذلك كل من تولى إمرة الأمراء بعده. [6] ويذكر"المقريزي"أن"الملك الناصر محمد بن تلاوون"أبطل الوزارة، وأقام"القاضي كريم الدين الكبير"في وظيفة"نظر الخاص"فصار متحدثًا فيما هو خاص بمال السلطان، يتحدث في موضوع الأمر الخاص بنفسه، وفي القيام يأخذ فيه فبقى تحدثه فيه ويسببه كأنه هو الوزير، لقربه من السلطان وزيادة تصرفه [7] . ويقرر"الدكتور المناوي"أن"ابن كلى"أول وزراء الدولة الفاطمية كان من أعظم الرجال الذين أدوا للبلاد أجل الخدمات، وبعد أن توفى تولى رجال لم يبلغوا ما بلغ"ابن كلى"من النفوذ وقوة الشخصية، ولم يتسمرا بالوزراء بل أطلق عليهم الوسطاء. وظل الحال كذلك
(1) آدم متز: الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري، أو عصر النهضة في الإسلام- تعريب الدكتور محمد عبد الهادي أبو ريده- مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر- الطبعة الثالثة سنة 1377هـ- 1957م، جـ1 ص156، 157.
(2) الدكتور محمد حمدي المناوي: الوزارة والوزراء في العصر الفاطمي- المرجع السابق ص14، 15.
(3) أبو العباس القلقشندي: صبح الأعضى في صناعة الانشا- المرجع السابق جـ3ص482، 483.
(4) علي بن أبي الكوم محمد بن محمد بن عبد الكريم المعروف بابن الأنير المتوفى سنة 630هـ- 1238م، الكامل في التاريخ- طبعة المنيرية جـ6 ص254، 255.
(5) أبو علي أحمد بن محمد الشهير بمسكوية المتوفى سنة 421هـ- 1030م، تجارب الأمم جـ1 ص338.
(6) ابن الأثير: الكامل في التاريخ- المرجع السابق جـ8 ص254.
والدكتور محمد جمال الدين سرور: تاريخ الحضارة الإسلامية في الشرق من عهد نفوذ الأتراك إلى منتصف القرن الخامس الهجري- مطبعة دار الحمامي للطباعة، الطبعة الثالثة سنة 1939م، دار الفكر العربي ص42.
(7) تقى الدين أحمد بن على عبد القادر بن محمد المعروف بالمقريزي: مخطط المقريزي"كتاب المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار"- طبعة دار التحرير للطباعة والنشر عن طبعة بولاق سنة 1270هـ، جـ3 ص73.
-ويقول"آدم متز": (ولم يكن جمهور الناس يفطن لهذا التمييز بين الوزير والوسيط أو السفير، وكذلك نجد"يحيى بن سعيد"مثلا حوالي عام 400هـ- 1010م يستعمل في لفظ الوزراء من غير تفرقة بين الوزير والسفير أو الوسيط) .
-الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري - المرجع السابق جـ1 ص158.