بحضرته أربع ساعات، ثم ينصرف إلى منزله فينظر في حوائج الناس وأمور الحضر والغائب إلى الظهر، ثم يتغدى وينام، ثم يجلس بالعشى، فينظر في الأعمال السلطانية إلى العشاء الآخرة لا يبرح، أو يحصل جميع الأموال ما حمل منها وما بقى. ثم ينظر في أمر ضياعه وأسبابه، ويتقدم إلى وكلائه وخاصة بما يحتاج إليه، ثم يتشاغل بعد ذلك مع نديم يتشاغل بحديثه ويأنس به، ثم ينام [1] .
وكان من رسم الوزير"ابن الفرات"أن يغدو إليه الكتاب، فيوافقهم على الأعمال، ويسلم إلى كل منهم ما يتعلق بديوانه، ويوصيه بما يريد وصاته به، ثم يروحون إليه بما يعملونه من أعمالهم، فيطلع عليها وعلى ما أخرجوه من الخروج وقضوه من الأمور، ويقيمون إلى بعض من الليل، وإذا خف العمل وقد عرضت عليه في أثنائه الكتب بالنفقات والنسبيات أو الاطلاقات والحسابات نهض من مجلسه، وانصرفت الجماعة بعد قيامه [2] .
وكان"ابن العميد"وزير بني بويه بالري في منتصف القرن الرابع الهجري أو هو أقرب يبكر إلى دار الأمارة، وكان الرسم أن يحضرها بالمشاعل والشموع قبل الصباح.
وكان الوزير نظام الملك في أواخر القرن الخامس يحضر مبكرا إلى دار السلطان، ويعود من الديوان إذا أضحى النهار، فيخلو بنفسه إلى وقت الظهر، ثم يصلي ويجلس للناس، ويحضر عنده الفقهاء والمحدثون [3] .
المطلب الثاني
رواتب الوزراء
30 -يرى بعض الباحثين أن وزير التفويض كان يتصرف في أموال الدولة، وسلطته كانت كاملة على الخزينة العامة، ومن ثم فإنه لا يقنع بما يفرض له من بيت المال، ولا يرضى أن يكون له راتب مقرر؛ فالوزير"أبو سلمة الخلال".
كان نائبا للخليفة، وكانت أموال الدولة بين يديه، ينفقها على الدعوة لبني العباس، ومن ثم فإنه لا يقنع بأي راتب يخصص له، وليس ثمة أحد يستطيع أن يخصص له راتبا معينا. وكذلك الوزير"يحيى بن خالد البرمكي"لا يعقل أن يكون له راتب مقر، لأن يده كانت مطلقة، واختصاصاته كانت عامة وشاملة [4] .
31 -ونحن نرى أن هذه دعوى تشتمل على إتمام الوزراء التفويض فيعوزها الدليل، وتحتاج إلى برهان، ولذلك يجب أن تطمئن النفس إلى نزاهة وزراء التفويض، وإلى رضاهم بما فرض لهم أي أعطيات، وقناعتهم بما قرر لهم من مرتبات. فقد تضافرت الروايات على أن وزير التفويض كانت له مخصصات محددة يتقاضاها من الدولة الإسلامية [5] إلا أن راتب الوزير كان يختلف باختلاف العصور واختلاف الناس.
(1) الشابشتي. كتاب الديارات- مخطوط بمكتبة برلين تحت رقم 8321، ومن هذا المخطوط صورة شمسية بدار الكتب المصرية ص118ب.
(2) أبو الحسن الهلال بن المحسن الصابي. الوزراء- المرجع السابق ص259.
(3) آدم متز. الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري- المرجع السابق هامش ص151. 152.
(4) ظافر القاسمي. نظام الحكم في الشريعة والتاريخ الإسلامي"الحياة الدستورية"المرجع السابق ص462.
(5) يقرر بعض الباحثين أن تحديد راتب معين لوزراء التفويض لا ينطبق على الوزراء من البرامكة، لأن دخل الدولة كله كان في أيديهم، حتى أصبح المال لا يصل إلى الخليفة إلا عن طريقهم.
-الدكتور محمد حمدي المناوي. الوزراء والوزراء في العصر الفاطمي- المرجع السابق ص27. والدكتور على عبد القادر مصطفى. الوزراء- المرجع السابق ص122. وقد يكون سبب هذا التقرير السلطة المطلقة التي أعطاها الخلفاء لأسرة البرامكة، فقد قلد هارون الرشيد يحيى بن خالد البرمكي وزارة تفويض وقال له. قلدتك أمر الرعية، وأخرجيه من عنقي إليك، فاحكم في ذلك بما ترى من الصواب، واستعمل من رأيت، واعزل من شئت وأمض الأمور على ما ترى، ودفع إليه خاتمه. - محمد الخضري. محاضرات تاريخ الأمم الإسلامية"الدولة العباسية"- مطبعة دار إحياء الكتب العربية بمصر"عيسى البابي الحلبي"، الطبعة الثانية سنة 1339هـ- 1921م، ص127. والدكتور حسن إبراهيم حسن والدكتور على إبراهيم حسن. النظم الإسلامية- المرجع السابق ص135.