وقفة عرفة كانت في هذه السنة برؤية أهل الشام فقد قال:"... وكان وصول الركب إلى مكة سحر يوم الخميس ولم يروا الهلال تلك الليلة لكثرة الغيم وسألوا أهل مكة فلم يخبر أحد منهم برؤيته. وتمادوا على أن الوقفة تكون يوم السبت وأشار عليهم القاضي الشافعي أن يخرجوا يوم الخميس ويسيروا إلى عرفة ليدركوا الوقوف ليلة السبت احتياطا ويقفوا يوم السبت أيضا. فبينا هم على ذلك إذ دخل الركب الشامي فأخبروا برؤية الهلال ليلة الخميس وانه ثبت عند قاضيهم فبنوا على ذلك ووقفوا يوم الجمعة ونفروا ليلة السبت على العادة"اهـ.
وكيف نقول لأهل البلاد الإسلامية - على الأقل القريبة من بلاد الحرمين - التي قد ثبت رؤية هلال شهر ذي الحجة عندهم برؤية مشتهرة أو متواترة، شرعية صحيح لا مطعن فيها، ولم تكن ممتنعة أو مستحيلة بأي وجه من الوجوه، كيف نقول لهم أن رؤيتكم غير معتبرة لأن بلاد الحرمين لم يثبت عندهم رؤية الهلال إما بسبب غيم أو ضباب أو غبار أو نحوها، أو لأن رؤية عموم بلاد الإسلام ما خلا بلاد الحرمين غير معتبرة، وأن هلال شهر ذي الحجة حكر ومخصوص فقط لبلاد الحرمين. فهذا وربي حكم لا يقبله شرع، ولا عقل، ولا حس.
المسألة الثانية: هل يوم عرفة علم على الزمان بحيث يتعلق حكم الصوم وفضله على يوم التاسع سواء وافق وقفة الناس بعرفات أم لم يوافق، أو أنه علم على المكان وهو يوم وقوف الناس بعرفة؟
والراجح: أن هذه المسألة قد تحتمل الأمرين، ولكن الذي يظهر والله أعلم أن احتمال كونها علم على الزمان هو الأقرب.
قال الخرشي المالكي في"شرح مختصر خليل":"والمواسم جمع موسم الزمن المتعلق به الحكم الشرعي ولم يرد بعرفة موضع الوقوف بل أراد به زمنه وهو اليوم التاسع من ذي الحجة، وأراد بعاشوراء اليوم العاشر من المحرم"اهـ.
و خلاصة رأينا في هذه المسألة ونحوها: أننا نرجح عدم اعتبار اختلاف المطالع في هذا الشهر وفي غيره من الشهور وأن الخطاب في الرؤية موجه لعموم المسلمين، فمتى رأى المسلمون الهلال في أي بلد لزم بقية المسلمين الأخذ به في الصيام والفطر والحج، سواء اتفقت ديارهم أم اختلفت، وسواء تقاربت أم تباعدت، لأن المسلمين أمة واحدة، وديارهم ديار واحدة.