المبحث الرابع:
الرأي الراجح
بعد استعراض آراء أهل العلم في هذه المسألة، والنظر في أدلتهم وحججهم، وما ذكر من اعتراضات على بعضها، يتبين أن أصل الخلاف في هذه المسألة منحصر في مسألتين:
المسألة الأولى: إذا قلنا باعتبار اختلاف المطالع، فهل هذا الاعتبار عام في جميع شهور السنة الهجرية أم أنه يفرق بين شهر ذي الحجة وبين غيره من الشهور؟
والراجح: أننا إذا قلنا باعتبار اختلاف المطالع - وهو رأي مرجوح عندنا - فإنه يكون في جميع أشهر السنة من دون تفريق بين شهر أو آخر، فإذا جاز اعتبار اختلاف المطالع في شهر رمضان وشوال، فلم لا يجوز اعتبارها في شهر ذي الحجة؟ وما وجه هذه التفريق بين شهر ذي الحجة وبين غيره من الشهور؟ أوليس الهلال هو الهلال، والثبوت هو الثبوت ً.
ثم إن هنا مسألة مهمة تتعلق بهذه المسألة: وهي هل إذا أخرجنا شهر ذي الحجة من قائمة اعتبار اختلاف المطالع تكون العبرة حينها فقط برؤية بلاد الحرمين لهلال ذي الحجة دون غيرهم من سائر الأقطار؟ أم أنه متى ثبتت رؤية هلال شهر ذي الحجة في أي بلد من بلاد الإسلام قرب أم بعد فإن لهذه الرؤية اعتبارها.
والراجح: أننا إذا قلنا بإخراج شهر ذي الحجة من قائمة اعتبار اختلاف المطالع - وهو رأي مرجوح عندنا - فإن الخطاب بتحري رؤية هلال شهر ذي الحجة يكون حينها موجهًا لعموم المسلمين في بلاد الإسلام سواء تقاربت البلاد أم تباعدت، وأنه متى ثبتت رؤية الهلال في أي دولة من دول العالم الإسلامي، وكانت هذه الرؤية رؤية صحيحة معقولة غير مطعون فيها من كل الوجوه، ولم تكن ممتنعة أو مستحيلة، فإنه يلزم عموم المسلمين اعتبارها وقبولها لدخول شهر ذي الحجة، لأن المسلمين أمة واحدة، وديارهم ديار واحدة.
أما أن يكون التحري مقتصرًا على بلاد الحرمين دون غيرها من دول العالم الإسلامي ولو كانت قريبة منها، فإن هذا فيه من الإجحاف والحكر ما فيه، ولم يقل به أحد من أهل العلم فيما نعلم، بل ذكر الحافظ ابن حجر في"إنباء الغمر"في أحداث عام خمس وأربعين وثمانمائة أن