وعلى كل حال: فهذه المسألة لا تتفرع على مسألتنا، لأن مسألتنا ليس في صيام اليوم المشكوك فيه في البلد الواحد، لأنه إن ثبت مثلًا في بلد رؤية هلال شهر ذي الحجة رؤية شرعية صحيحة مشتهرة في جوٍ صحوً وسماء صافية، ولم يثبت في بلاد الحرمين رؤية الهلال بأن غم عليهم بغيم أو ضباب أو غبار أو نحوها فإنه لا يعتبر برؤية ذلك البلد الذي رؤي فيه الهلال، فيكملون عدة شهر ذي القعدة ثلاثين يومًا، فيصبح حينها على قول النخعي عند من احتج به يصبح صوم يوم عرفة على حسب رؤية بلاد الحرمين هي المشكوك فيها والتي يكره صومها، بخلاف رؤية البلد الذي رؤي فيه الهلال قبل أن يكمل عدة شهر ذي القعدة.
5 -أما ما احتجوا به من أن فضائل يوم عرفة المقصود بهذا اليوم هو يوم وقوف الناس بعرفة، وأن دنو رب العزة سبحانه وتعالى بما يليق بجلاله وعظمته، ومباهاته بأهل الموقف وتغيظ الشيطان يكون في يوم وقوف الناس بعرفة لا غيره، فهو كلام صحيح وفيه وجه قوي لقولهم.
ولكن يجاب عليه: بأن هذا الفضل يكون للواقفين بعرفة، ولا إشكال في ذلك لأن مباهاة الله خاصة بأهل الموقف، ودنوه سبحانه وتعالى على ما يليق بجلاله وعظمته يكون خاصًا بيوم عرفة الذي يجتمع الناس فيه بعرفة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في"مجموع الفتاوى" (5/ 478) :".. وجميع ما وصف به الرب عز وجل نفسه من القرب فليس فيه ما هو عام لجميع المخلوقات كما في المعية؛ فإن المعية وصف نفسه فيها بعموم وخصوص. وأما قربه مما يقرب منه فهو خاص لمن يقرب منه كالداعي والعابد وكقربه عشية عرفة ودنوه إلى السماء الدنيا لأجل الحجاج وإن كانت تلك العشية بعرفة قد تكون وسط النهار في بعض البلاد وتكون ليلا في بعض البلاد؛ فإن تلك البلاد لم يدن إليها ولا إلى سمائها الدنيا وإنما دنا إلى السماء الدنيا التي على الحجاج وكذلك نزوله بالليل"اهـ.
أما حمل فضل صيام هذا اليوم بوقفة الناس بعرفة فغير مسلم لأن الأحاديث التي جاءت في فضل صيام يوم عرفة هي في الأصل وردت في حق غير الحاج عند جماهير أهل العلم، وهذا اليوم هو التاسع من ذي الحجة، ولم يذكر فيها تقييد الفضل بوقفة الناس بعرفة.
6 -تفريق العلماء المعاصرين القائلين بجواز اختلاف المطالع بين شهر ذي الحجة وبين غيره من الشهور تفريق لم يؤثر عن أحد من الفقهاء السابقين. ولم يُنقَل عن أحدٍ من فقهاء المذاهب