ويجاب عن هذا بأنه يلزم أن لا يكون الفصل مطلوبًا في سنة الظهر مع فرضها، وهذا لا يقول به أحد.
ثم لو كان الفصل هو المطلوب لحصل ذلك بالكلام، أو تقدم خطوة، ولا يحتاج أن يمشي من مؤخرة المسجد إلى مقدمه.
فلابد أن نحمل حديث ابن بحينة على الفصل بالزمان. يعني لا يجوز لأحد أَن يصلي النوافل في زمان الفريضة التي أَقيمت لها. وهذا مطلوب في جميع الصلوات.
وإنما خص بالذكر ركعتا الفجر لأن القصة وقعت فيهما.
الثانية: أن النهي يحمل على من يصلي النافلة في الموطن الذي أقيمت فيه الصلاة. وعلى هذا يحمل حديث عبد اللّه بن سرجس فإنه صلاهما خلف الناس فكان شبيه المخالط لهم. وهذا مكروه عندنا. وإنما يجب عليه أن يصليهما في مؤخر المسجد، ثم يمشى من ذلك المكان إلى أول المسجد. فأما أَن يصليهما مخالطًاَ لمن يصلي الفريضة، فلا. انتهى.
ويجاب على هذا بأن النبي صلى الله عليه وسلم استنكر على الرجل وقال له:"يا فلان، أجعلت صلاتك التي صليت معنا، أو التي صليت وحدك".
وكان المقام يقضي أن يبين له بأنه إذا صلى بعيدًا عن الناس فلا حرج في ذلك ولكنه اكتفى بالإنكار، وإنكاره يشمل من صلى مخالطًا بالناس ومن صلى بعيدًا عن الناس.
ثم لفظ الحديث يرد على هذا التأويل أَيضًاَ، لأن الرجل صلى ركعتين خلف الناس، ثم دخل مع النبي صلى اللّه عليه وسلم في صلاته، فلو كان صلى مخالطًا بالصف ما كان يقال له: ثم دخل.
ولفظ حديث مسلم أصرح من هذا وهو"دخل رجل المسجد ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في صلاة الغداة، فصلى ركعتين في جانب المسجد ثم دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما سلم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال:"يا فلان بأي الصلاتين اعتددت أبصلاتك وحدك، أم بصلاتك معنا"".
وهذا الحديث يبطل جميع التأويلات التي قال بها الحنفية وذكرها الإمام الطحاوي ومن بعدهم.