الثانية وسقطت، والثالثة وسقطت، فشدته، وانقطع تفكيره، وبدأ يرقب هذا المخلوق الصغير، تابعها تيمورلنك في المرة السابعة عشرة صعدت، في المحاولة السابعة عشرة صعدت، فقال: والله عجيب، نملة تكرر المحاولة قرابة عشرين مرة، وأنا لأول مرة أنهزم وجيشي، ما أضعفنا، وما أحقرنا، فنزل من المغارة، وقد صمم على أن يجمع فلول جيشه، وأن يدخل المعركة، وأن لا ينهزم ما دام فيهم حي، والنملة تعيش في رأسه، فجمع قومه، وتعاهدوا على دخول المعركة، وأن لا ينهزموا ما دام فيهم حي فدخلوا المعركة بهذه النية، وبهذا التصميم فانتصروا.
أرأيتم يا أخي الكريم؟ إذا ضعفت، إذا تكاسلت، تذكر النملة، تذكر محاولات النملة، تذكر إصرار النملة، ويلحق بهذا -أيها الأحبة- مع الصبر والجلد موضوع قريب منه، ولكنني أفردته لسبب آخر، وهو الجدية؛ النملة أجمع علماء الأحياء على أن النملة من أجد المخلوقات من ناحية الجدية، جادة بمعنى الكلمة، ودعوني أتساءل وهذه بمراقباتي الشخصية وملاحظاتي الشخصية هل رأيتم يوما من الأيام نملة نائمة في الطريق؟ هل رأيتم يوما من الأيام نملة واقفة تتفرج؟ أبدا ما ترى النملة إلا جادة في مسيرتها وجادة في حركاتها.
وأقرب مثال كنت أتابعه سنوات قديمة، وليس والله بحديث هذا المثال، سنوات بعيدة من أشد ما لفت نظري في النملة عند بناء البيوت، النمل عند بناء البيوت -وهذا سأتطرق له بعد قليل- معروف بتعاونه، لكن الغريب فيه الجدية منقطعة النظير
والنملة تحضر البيت، وتأتى مسرعة، وتضع ما في فمها من حبة الرمل، ثم تعود إلى البيت، الذي لاحظته على هذا الأمر السرعة المتناهية، واسمحوا لي لو قلت لكم: ما شبهت هذا الأمر إلا بنوع من العمال خاصة إذا كان العمل بطوعه، أبدا، جد ونشاط وعمل غريب جدا، ما يتوقف النمل والله ما أذكر إني رأيت منها على كثرة ملاحظتي واحدة واقفة، أو واحدة تمشي شوية، وتقف شوية، أبدا، ثم تلاحظ بعض لحظات فإذا الرمل بهذا الشكل قد أخرجته هذه النملة، مع أنها لا تستطيع أن تحمل أكثر من حبة صغيرة، جدية عجيبة جدا.