وهاهو قد جعل الإغلاظ على الفساق ينافي الدعوة إلى الله ، وليس منافيًا لها ؛ فالذي فعل هذا هو الذي روت عنه عائشة رضي الله عنها أنه يغضب إذا انتهكت محارم الله حتى لا يقوم لغضبه شيء وأما حديث اليهودي الذي كان جارًا للنبي - صلى الله عليه وسلم - فحق ولكن لا حجة فيه على التساهل والمداهنة لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قدم المدينة كان قد عاهد اليهود وصار يدعوهم إلى الإسلام ولم يزل على ذلك إلى أن نقضوا العهد فأجرى عليهم اللازم من الأحكام فأجلى بعضهم وقتل بعضهم ثم في مرض موته أمر بإخراجهم من جزيرة العرب .
فأجلاهم الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه في خلافته . فأي دليل في هذا على التساهل مع أعداء الله والمداهنة مع العصاة بل هذا صريح في إبعادهم لأنه آخر ما أمر به - صلى الله عليه وسلم - ولم ينسخ هذا بل هو باقٍ إلى يوم القيامة وإذا ظهر أن ما أورده من الأدلة ليس هو موضع النزاع .
فنذكر الأحاديث الدالة على مشروعية الإغلاظ والإنكار على أهل المعاصي مقابلة لما أورده من أحاديث التيسير , مع البيان أن جميع ما ورد عنه - صلى الله عليه وسلم - حق فلا نميل إلى الغلو ونهدر أحاديث التيسير ولا نميل إلى التساهل ونهدر أحاديث الإنكار على من استحقه .
الحديث الأول: عن سليمان بن يسار عن جعفر بن عمر بن أمية الضمري قال خرجت مع عبيد الله بن عدي بن الخيار فلما قدمنا حمص قال لي عبيد الله بن عدي هل لك في وحشي نسأله عن قتل حمزة قلت نعم وكان وحشي يسكن حمص فسألنا عنه فقيل لنا هو ذاك في ظل قصره فذكر الحديث إلى أن قال: فخرجت معهم حتى قدمت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فما رآني قال: أنت وحشي قلت: نعم . قال: أنت قتلت حمزة قلت: قد كان في الأمر ما بلغك .
قال: فهل تستطيع أن تغيب وجهك عني) الحديث. رواه البخاري .