الصفحة 29 من 35

قوله ثانيًا: لقد كان - صلى الله عليه وسلم - يحذر أمته تحذيرًا شديدًا من الغلو والتنطع في الدين فيقول كما في الصحيح عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه (من يحرم الرفق يحرم الخير كله) وفي صحيح مسلم عن عائشة أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: (يا عائشة إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على سواه) وقد روى البخاري هذا الحديث وذكر في أوله قصة تزيد في دلالة الحديث ووضوحه حيث كان اليهود يأتون إليه - صلى الله عليه وسلم - ويقولون السام عليك يا محمد ويعنون بالسام الموت. وكأنهم يظهرون السلام عليه وهم يدعون عليه بالموت فقال عليه السلام: عليكم . فغضبت عائشة رضي الله عنها وقالت لهم وعليكم السام واللعنة فقال لها - صلى الله عليه وسلم - ما قال في موقف مع اليهود - أشد الناس عداوة للذين آمنوا وشر خلق الله - تجده - صلى الله عليه وسلم - يوصي عائشة بالرفق وينهاها عن العنف ويبين لها أن الله رفيق يحب الرفق في كل الأمور حتى مع اليهود في مثل هذا الموقف .

فالجواب أن يقال: ما ذكره من التحذير من الغلو صحيح ومن الذي مدح الغلو ولكن الإنكار على أهل المعاصي ويغضبهم ليس من الغلو بل هو مأمور به كما تقدم ولو كان غلوًا ما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه وأئمة المسلمين وقرروه كما تقدم بيانه وكذلك ما ذكرت من الحديث في الحث على الرفق صحيح ولكن الرفق المأمور به لا ينافي الإنكار على الفساق وبغضهم فإن الذي حث على الرفق هو الذي سن هجر أهل المعاصي والذين رووا أحاديث الرفق هم الذين فعلوا ذلك فعلى زعمك ما فهموا معنى الرفق وأنت فهمته .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت