ولكن لما نشأ أكثر الناس على التوسع وألفوه ، أنكروا ما عارضه وسموه تشديدًا وقاسوه بتشديد النصارى ؛ ولولا قصد الاختصار لسقت لك شيئًا من أخبارهم في هذا الباب وهم أهل العلم والفضل والزهد المقتدى بهم . وغيرهم ممن غلب عليه الجهل والهوى وقلة البصيرة .
والله المستعان .
قوله: واعلم جيدًا أيها المستبصر في دينه المعاين لرشده أنه لا أخطر على الدين من تدخل أهواء العوام والجهلة الأغبياء فيه وكونهم يشكلون ثقلًا يضطر الآخرين إلى مجاملتهم وتلمس ما يرضيهم إذ الأصل أن الغوغاء اتباع مقلدون . فكيف تظن يكون الحال إذا جعلوا من أنفسهم سادة متبوعين وصاروا يحكمون في جليل القضايا وخطيرها بعقولهم الكليلة وآرائهم الهزيلة إذا صار ذلك كذلك فعلى الدين العفاء .. إلا أن يقيض الله لدينه وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - من يحمله حملًا ويرد هؤلاء إلى مواقعهم الطبيعية .
فالجواب أن يقال: إن هذا أيضًا ينطبق على كلامه لأنه جعله ميزانًا مع مخالفته للحق في مواضع كثيرة .
قوله: والسبب الخامس هو ردة الفعل ضد الفساد المنتشر وضد الانفتاح على الدنيا و التوسع في الاستمتاع بمباهجها في الوقت الذي تجد فيه يضع نفسه في جو زهدي معين يعيش فيه ببساطة ويسمع القصص و الحكايات الزهدية و الوعظية ويرفض سائر أنواع التمتع ولو كان مباحا .
فالجواب أن يقال: وماذا ينقم على من فعل هذا إذا كانت القصص والحكايات الزهدية موافقة للشرع وقد تقدم الكلام على الزهد .
أما رفضه التمتع فليس مذمومًا إذا لم يكن مخالفًا للشرع ولم يكن محرما له بل هو مطلوب .