قوله: وثمت صورة أخرى أشد شيوعًا من كل ما مضى وهي التشدد والقسوة في معاملة الفساق والمخطئين وهم أحوج الناس إلى العطف واللطف واللين لتأليف قلوبهم على الخير والصلاح . ولقد سمعت من يقول أن النظر إلى وجه العاصي الحالق لحيته حرام . يا سبحان الله قل هل عندكم من علم فتخرجون لنا . قل ءآلله أذن لكم أم على الله تفترون . وماذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعل حين يحادث المشركين واليهود والنصارى فضلًا عن العصاة ، أيحادثهم وهو مغمض العينين أم هو موليهم دبره وهو ينظر من خلفه كما ينظر من أمامه أم ماذا. نبؤني بعلمٍ إن كنتم صادقين .
والجواب أن يقال: إن إطلاقة التشنيع عليهم يرده الكتاب والسنة وعمل سلف الأمة . فاسمع بعض ذلك .
قال الله تعالى: { يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير } روى ابن جرير بإسناده عن ابن مسعود في قوله (جاهد الكفار والمنافقين) قال: بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه فإن لم يستطع فليكفهر في وجهه . وأسند عن ابن عباس قال: فأمره بجهاد الكفار بالسيف والمنافقين باللسان وأذهب الرفق عنهم .
والآيات الدالة على ذلك كثيرة .
فمن أصر على المخالفة استحق أن يغلظ عليه إلا أن ذلك يختلف باختلاف الذنوب والأشخاص .
وأما السنة: فمثل هجر النبي - صلى الله عليه وسلم - الثلاثة الذين تخلفوا عنه - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك . رواه البخاري ومسلم .
وفي الصحيح قصة هجر النبي - صلى الله عليه وسلم - نساءه شهرًا . وغير ذلك من الأدلة .
وأما عمل سلف الأمة وأنهم هجروا وغلظوا على أهل المعاصي وأعرضوا عنهم فمن ذلك ما ورد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول (لا تمنعوا نساءكم المساجد إذا استأذنكم إليها .
فقال بلال بن عبد الله والله لمنعهن فاقبل عليه عبد الله فسبه سبًا سيئًا ما سمعته سبه مثله قط . الحديث .