الصفحة 47 من 56

عند الحديث الأربعون") الذي رواه البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله قال:"أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي فقال: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابرُ سبيل» .

وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك""

قال الحافظ في شرحه:"هذا الحديث أصل في قصر الأمل في الدنيا؛ وأن المؤمن لا ينبغي له أن يتخذ الدنيا وطنًا ومسكنًا فيطمئن فيها، ولكن ينبغي أن يكون فيها كأنه على جناح سفر: يهيئ جهازه للرحيل."

وقد اتفقت على ذلك وصايا الأنبياء وأتباعهم، قال تعالى حاكيًا عن مؤمن آل فرعون أنه قال: { يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ } [غافر:39] .

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول «مالي وللدنيا إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب قال في ظل شجرة ثم راح وتركها» .

ومن وصايا المسيح عليه السلام لأصحابه أنه قال لهم: اعبروها ولا تعمروها، وروي عنه أنه قال: من ذا الذي يبني على موج البحر دارًا، تلكم الدنيا فلا تتخذوها قرارًا.

ودخل رجل على أبي ذر، فجعل يقلب بصره في بيته فقال يا أبا ذر أين متاعكم؟ فقال: إن لنا بيتًا نوجه إليه، قال: إنه لا بد لك من متاع ما دمت هاهنا، قال: إن صاحب المنزل لا يدعنا فيه.

ودخلوا على بعض الصالحين فقلبوا بصرهم في بيته فقالوا إنا نرى بيتك بيت رجل مرتحل، فقال أمرتحل؟ لا، ولكن أُطْرَدُ طردًا.

وكان على بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلة، ولكل منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا؛ فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل.

قال بعض الحكماء: عجبت ممن الدنيا مولية عنه، والآخرة مقبلة إليه، يشتغل بالمدبرة، ويعرض عن المقبلة.

وقال عمر بن عبد العزيز في خطبته: إن الدنيا ليست بدار قراركم، كتب الله عليها الفناء، وكتب على أهلها منها الظعن، فكم من عامر موثق عن قليل يخرب، وكم من مقيم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت