الصفحة 48 من 56

مغتبط عما قليل يظعن، فأحسنوا - رحمكم الله - منها الرحلة بأحسن ما بحضرتكم من النقلة، وتزودوا فإن خير الزاد التقوى.

وإذا لم تكن الدنيا للمؤمن دار إقامة، ولا وطنا، فينبغي للمؤمن أن يكون حاله فيها على أحد حالين: إما أن يكون كأنه غريب مقيم في بلد غربة، همه التزود للرجوع إلى وطنه، أو يكون كأنه مسافر غير مقيم البتة، بل هو ليله ونهاره يسير إلى بلد الإقامة، فلهذا وصى النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمر أن يكون في الدنيا على أحد هذين الحالين:

فأحدهما: أن ينزل المؤمن نفسه كأنه غريب في الدنيا، يتخيل الإقامة لكن في بلد غربة، فهو غير متعلق القلب ببلد الغربة، بل قلبه متعلق بوطنه الذي يرجع إليه، وإنما هو مقيم في الدنيا ليقضي مرمّة جهازه إلى الرجوع إلى وطنه.

قال الفضيل بن عياض: المؤمن في الدنيا مهموم حزين، همه مرمة جهازه ومن كان في الدنيا كذلك فلا هم له إلا التزود بما ينفعه عند عوده إلى وطنه، فلا ينافس أهل البلد الذي هو غريب بينهم في عزهم، ولا يجزع من الذل عندهم.

قال الحسن: المؤمن كالغريب لا يجزع من ذلها، ولا ينافس في عزها، له شأن وللناس شأن.

لما خلق آدم عليه السلام أسكن هو وزوجته الجنة، ثم أهبط منها، ووعد بالرجوع إليها، وصالح ذريتهما، فالمؤمن أبدًا يحن إلى وطنه الأول، وحب الوطن من الإيمان كما قيل:

كم منزل للمرء يألفه الفتي وحنينه أبدًا لأول منزل

ولبعض شيوخنا: [ ابن القيم] :

فحي على جنات عدن فإنها منازلك الأولي وفيها المُخيم

ولكننا سبي العدو فهل ترى نعود إلى أوطاننا ونُسلَّم

وقد زعموا أن الغريب إذا نأى وشطت به أوطانه فهو مغرم

وأي اغتراب فوق غربتنا التي لها أضحت الأعداء فينا تحكم

وكان عطاء السلمي يقول في دعائه اللهم ارحم في الدنيا غربتي وارحم في القبر وحشتي وارحم موقفي غدًا بين يديك ... .

وما أحسن قول يحيى بن معاذ الرازي الدنيا خمر الشيطان من سكر منها لم يفق إلا في عسكر الموتى نادمًا مع الخاسرين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت