الصفحة 28 من 56

وأمر هذا الرزق، ولم يعلم أنه لا خلاف، في أن أهل البرزخ يجري عليهم من نعيم الآخرة، ما يلتذون به، مما هو ليس من عمل التكليف .

ومعاذ الله: أن نعارض نص رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي رواه مسلم:"إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث"الخ، والحديث عام ؛ لأن المقصود به: جنس بني آدم، لأن المفرد يعم، كما هو مقرر في محاله؛ ألم يعلم المسكين: أن البرزخ طور ثان، وله حكم ثان ؟ إذ لو كان صلى الله عليه وسلم بهذه المثابة، أنه يلاقي الأولياء، والأفاضل كما زعم بعض المصنفين؛ لبطل حكم الاجتهاد بعده، ولم يتراجع الصحابة رضوان الله عليهم بعده مسائل، طال فيها نزاعهم إلى زمننا هذا.

إذا تحققت هذه الإشارة، وتأملتها، فلابد أن أنقل لك كلام ابن تيمية، - قدس الله روحه -، في أحاديث السؤال .

قال ابن تيمية - رحمه الله: أما رؤيا موسى في الطواف، فهذا كان رؤيا منام، لم يكن ليلة المعراج، كذلك جاء مفسرًا، كما رأى المسيح أيضًا، ورأى الدجال، أما رؤيته ورؤية غيره من الأنبياء ليلة المعراج في السماء، لما رأى آدم في السماء الدنيا ورأى يحيى، وعيسى؛ فهذا: رأى أرواحهم مصورة في صورة أبدانهم؛ وقد قال بعض الناس، لعله رأى نفس الأجساد المدفونة في القبور؛ وهذا: ليس بشيء، لكن عيسى صعد إلى السماء بروحه وجسده، وكذلك إدريس .

وأما كونه رأى موسى يصلي في قبره، ورآه في السماء أيضًا، فهذان: لا منافاة بينهما، فإن أمر الأرواح من جنس أمر الملائكة، في اللحظة الواحدة: تصعد وتهبط كالملك، ليست كالبدن، وقد: بسطت الكلام في أمر الأرواح بعد مفارقة الأبدان، وذكرت الأحاديث والآثار في ذلك، بما هذا ملخصه.

وهذه الصلاة: مما يتنعم بها الميت، ويستمتع بها، كما يتنعم أهل الجنة بالتسبيح؛ فإنهم يلهمون التسبيح كما يلهم الناس النفس في الدنيا، فهذا ليس من عمل التكليف الذي يطلب به ثواب منفصل، بل نفس هذا العمل هو من النعيم الذي تتنعم به النفس، وتلتذ به، انتهى كلامه.

فعلم من كلامه: أن أرواحهم صورت في صور أبدانهم التي في القبور، فاجتمعت النصوص، وزال الأشكال، والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت