الرابع: تعلقها به في البرزخ، فإنها وإن فارقته وتجردت عنه فإنها لم تفارقه فراقًا كليًا بحيث لا يبقى لها إليه التفات البتة.
وقد ذكرنا في أول الجواب من الأحاديث والآثار ما يدلّ على ردّها إليه وقت سلام المسلّم، وهذا الرد إعادة خاصة لا يوجب حياة البدن قبل يوم القيامة.
الخامس: تعلقها به يوم بعث الأجساد، وهو أكمل أنواع تعلقها بالبدن ولا نسبة لما قبله من أنواع التعلق إليه إذ هو تعلق لا يقبل البدن معه موتًا ولا نومًا ولا فسادًا، ... فإن النوم شقيق الموت،... فتأمل هذا يزح عنك إشكالات كثيرة )) .
قال ابن رجب ( في أهوال القبور ص 180) :"فهؤلاء السلف كلهم صرحوا بأن الروح تعاد إلى البدن عند السؤال، وصرح بمثل ذلك طوائف من الفقهاء والمتكلمين من أصحابنا وغيرهم، كالقاضي أبي يعلى وغيره، وأنكر ذلك طائفة منهم ابن حزم وغيره، وذكر أن السؤال للروح خاصة وكذلك سماع الخطاب، وأنكر ألا تعاد الروح إلى الجسد في القبر للعذاب وغيره، وقالوا: لو كان ذلك حقًا للزم الإنسان أن يموت ثلاث مرات، ويحيى ثلاث مرات، والقرآن دل على أنهما موتتان وحياتان، وهذا ضعيف جدًا فإن حياة الروح ليست حياة تامة مستقلة كحياة الدنيا وكالحياة الآخرة بعد البعث، وإنما فيها نوع اتصال الروح في البدن بحيث يحصل بذلك شعور البدن وإحساس بالنعيم والعذاب وغيرهما، وليس هو حياة تامة حتى يكون انفصال الروح به موتا تاما وإنما هو شبيه بانفصال روح النائم عنه ورجوعها إليه فإن ذلك يسمى موتا وحياة كما [ كان يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا استيقظ قال: الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور ] وسماه الله تعالى وفاة لقوله: { اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى } ، الآية ومع هذا فلا ينافي ذلك أن يكون النائم حيًا وكذلك اتصال روح الميت ببدنه وانفصالها عنه لا توجب أن يصير حيًا حياة مطلقة...".
علق الشيخ الألباني في تحقيقه ( في الآيات البينات للآلوسي في هامش ص 137) على هذا الكلام - بعد نقله لكلام شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو قوله:"ومع ذلك فتتصل بالبدن متى شاء الله؛ وذلك في اللحظة بمنزلة نزول الملك وظهور الشعاع في الأرض وانتباه النائم"- قائلًا"وللحافظ ابن رجب تفصيل جيد ... في ذلك في كتابه ( الأهوال) ولولا خشية الإطالة لنقلته برمته".