ذلك كون الميت قد تفرقت أجزاؤه كما نشاهد في العادة أو أكلته السباع أو حيتان البحر أو نحو ذلك فكما أن الله تعالى يعيده للحشر وهو سبحانه وتعالى قادر على ذلك فكذا يعيد الحياة إلى جزء منه أو أجزاء وإن أكلته السباع والحيتان فإن قيل: فنحن نشاهد الميت على حاله في قبره فكيف يُسأل ويُقعد ويضرب بمطارق من حديد ولا يظهر له أثر، فالجواب: أن ذلك غير ممتنع، بل له نظير في العادة وهو النائم، فإنه يجد لذة وآلامًا لا نحس نحن شيئًا منها، وكذا يجد اليقظان لذة وألمًا لما يسمعه أو يفكر فيه ولا يشاهد ذلك جليسه منه، وكذا كان جبرئيل يأتي النبي صلى الله عليه وسلم فيخبره بالوحي الكريم ولا يدركه الحاضرون ، وكل هذا ظاهر جلي"."
وقال ابن أبي العز ( في شرح العقيدة الطحاوية ص 450) :"وقد تواترت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن كان لذلك أهلًا وسؤال الملكين فيجب اعتقاد ثبوت ذلك والإيمان به ولا نتكلم في كيفيته إذ ليس للعقل وقوف على كيفيته؛ لكونه لا عهد له به في هذا الدار والشرع لا يأتي بما تحيله العقول، ولكنه قد يأتي بما تحار فيه العقول، فإن عود الروح إلى الجسد ليس على الوجه المعهود في الدنيا، بل تعاد الروح إليه إعادة غير الإعادة المألوفة في الدنيا ... وليس السؤال في القبر للروح وحدها كما قال ابن حزم وغيره. وأفسد منه قول من قال: إنه للبدن بلا روح! والأحاديث الصحيحة ترد القولين وكذلك عذاب القبر يكون للنفس والبدن جميعًا باتفاق أهل السنة والجماعة، تنعم النفس وتعذب مفردة عن البدن ومتصلة به."
واعلم أن عذاب القبر هو عذاب البرزخ، فكل من مات وهو مستحق للعذاب ناله نصيبه منه، قبر أو لم يقبر، أكلته السباع أو احترق حتى صار رمادًا ونسف في الهواء، أو صلب أو غرق في البحر وصل إلى روحه وبدنه ما يصل إلى المقبور"."
قال الامام ابن قيم الجوزية (في كتاب الروح ص 263) :"الروح لها بالبدن خمسة أنواع من التعلق متغايرة الأحكام."
أحدها: تعلقها به في بطن الأم جنينًا.
الثاني: تعلقها به بعد خروجه إلى وجه الأرض.
الثالث: تعلقها به في حال النوم، فلها به تعلق من وجه ومفارقة من وجه.