الصفحة 23 من 56

ولهذا قال من العذاب الأدنى ولم يقل ولنذيقنهم العذاب الأدنى فتأمله، وهذا نظير قول النبي فيفتح له طاقة إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها ولم يقل فيأتيه حرها وسمومها فإن الذي وصل إليه بعض ذلك وبقى له أكثره والذي ذاقه أعداء الله في الدنيا بعض العذاب وبقى لهم ما هو أعظم منه، ومنها قوله تعالى: { فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ - وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ - وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ - فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ - تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ - فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ - فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ - وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ - فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِين - وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ - فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ - وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ - إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ - فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ } ، فذكر هاهنا أحكام الأرواح عند الموت، وذكر في أول السورة أحكامها يوم المعاد الأكبر، وقدم ذلك على هذا تقديم الغاية للعناية إذ هي أهم وأولى بالذكر، وجعلهم عند الموت ثلاثة أقسام، كما جعلهم في الآخرة ثلاثة أقسام، ومنها قوله تعالى: { يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ - ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً - فَادْخُلِي فِي عِبَادِي - وَادْخُلِي جَنَّتِي } ، وقد اختلف السلف متى يقال لها ذلك فقالت طائفة يقال لها عند الموت، وظاهر اللفظ مع هؤلاء فانه خطاب للنفس التي قد تجردت عن البدن، وخرجت منه، وقد فسر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله في حديث البراء وغيره فيقال لها اخرجي راضية مرضيا عنك ...، وقوله تعالى: { فَادْخُلِي فِي عِبَادِي } مطابق لقوله: «اللهم الرفيق الأعلى«، وأنت إذا تأملت أحاديث عذاب القبر ونعيمه وجدتها تفصيلًا وتفسيرًا لما دل عليه القرآن وبالله التوفيق"."

وأهل السنة يثبتون عذاب القبر بأدلة كثيرة، ومن ذلك قول الإمام ابن كثير ( في تفسيره 4/82) في شأن عذاب آل فرعون:"وهذه الآية أصل كبير في استدلال أهل السنة على عذاب البرزخ في القبور وهي قوله تعالى: { النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًًّا } ."

قال النووي (في شرح مسلم 17/ 201) :"مذهب أهل السنة إثبات عذاب القبر خلافًا للخوارج ومعظم المعتزلة وبعض المرجئة نفوا ذلك."

ثم المعذب عند أهل السنة الجسد بعينه أو بعضه بعد إعادة الروح إليه أو إلى جزء منه"وبعد أن ذكر بعض من خالف في ذلك قال:"وطائفة قالوا لا يشترط إعادة الروح، قال أصحابنا هذا فاسد؛ لأن الألم والإحساس إنما يكون في الحي، قال أصحابنا ولا يمنع من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت