الصفحة 18 من 56

وتحته حتى يكون أعظم حرًا من جمر الدنيا ولو مسها أهل الدنيا لم يحسوا بذلك، بل أعجب من هذا أن الرجلين يدفنان أحدهما إلى جنب الآخر وهذا في حفرة من حفر النار لا يصل حرها إلى جاره وذلك في روضة من رياض الجنة لا يصل روحها ونعيمها إلى جاره، وقدرة الرب تعالى أوسع وأعجب من ذلك، وقد أرانا الله من آيات قدرته في هذه الدار ما هو أعجب من ذلك بكثير ولكن النفوس مولعة بالتكذيب بما لم تحط به علمًا إلا من وفقه الله وعصمه.

فيفرش للكافر لوحان من نار فيشتعل عليه قبره بهما كما يشتعل التنور فإذا شاء الله سبحانه أن يطلع على ذلك بعض عبيده أطلعه، وغيبه عن غيره إذ لو اطلع عليه العباد كلهم لزالت حكمة التكليف والإيمان بالغيب، ولما تدافن الناس كما في الصحيحين عنه: ( لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع) ، ولما كانت هذه الحكمة منتفية في حق البهائم سمعت ذلك وأدركته كما حادت برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بغلته وكادت تلقيه لما مر بمن يعذب في قبره...

[و] أن الله سبحانه وتعالى يحدث في هذه الدار ما هو أعجب من ذلك فهذا جبريل كان ينزل على النبي ويتمثل له رجلًا فيكلمه بكلام يسمعه ومن إلى جانب النبي لا يراه ولا يسمعه، وكذلك غيره من الأنبياء، وأحيانًا يأتيه الوحي في مثل صلصة الجرس ولا يسمعه غيره من الحاضرين، وهؤلاء الجن يتحدثون ويتكلمون بالأصوات المرتفعة بيننا ونحن لا نسمعهم، وقد كانت الملائكة تضرب الكفار بالسياط وتضرب رقابهم وتصيح بهم والمسلمون معهم لا يرونهم ولا يسمعون كلامهم، والله سبحانه قد حجب بني آدم عن كثير مما يحدثه في الأرض وهو بينهم، وقد كان جبريل يقرئ النبي ويدارسه القرآن والحاضرون لا يسمعونه.

وكيف يستنكر من يعرف الله سبحانه ويقر بقدرته أن يحدث حوادث يصرف عنها أبصار بعض خلقه حكمة منه ورحمة بهم لأنهم لا يطيقون رؤيتها وسماعها، والعبد أضعف بصرًا وسمعًا من أن يثبت لمشاهدة عذاب القبر ...، ثم إن العبد قادر على أن يزيل الزئبق والخردل عن عين الميت وصدره ثم يرده بسرعة فكيف يعجز عنه الملك وكيف لا يقدر عليه من هو على كل شيء قدير وكيف تعجز قدرته عن إبقائه في عينيه وعلى صدره لا يسقط عنه وهل قياس أمر البرزخ على ما يشاهده الناس في الدنيا إلا محض الجهل والضلال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت