وتكذيب أصدق الصادقين وتعجيز رب العالمين وذلك غاية الجهل والظلم.
وإذا كان أحدنا يمكنه توسعة القبر عشرة أذرع ومائة ذراع وأكثر طولًا وعرضًا وعمقًا ويستر توسيعه عن الناس ويطلع عليه من يشاء فكيف يعجز رب العالمين أن يوسعه ما يشاء على من يشاء ويستر ذلك عن أعين بني آدم فيراه بنو آدم ضيقًا وهو أوسع شيء وأطيبه ريحًا وأعظمه إضاءةً ونورًا وهم لا يرون ذلك.
وسر المسألة أن هذه السعة والضيق والإضاءة والخضرة والنار ليس من جنس المعهود في هذا العالم، والله سبحانه إنما أشهد بني آدم في هذه الدار ما كان فيها ومنها فأما ما كان من أمر الآخرة فقد أسبل عليه الغطاء ليكون الإقرار به والإيمان سببًا لسعادتهم فإذا كشف عنهم الغطاء صار عيانًا مشاهدًا ...
[و] أنه غير ممتنع أن ترد الروح إلى المصلوب والغريق والمحرق، ونحن لا نشعر بها لأن ذلك الرد نوع آخر غير المعهود فهذا المغمى عليه والمسكوت والمبهوت أحياء وأرواحهم معهم ولا تشعر بحياتهم ومن تفرقت أجزاؤه لا يمتنع على من هو على كل شيء قدير أن يجعل للروح اتصالًا بتلك الأجزاء على تباعد ما بينها وقربه ويكون في تلك الأجزاء شعور بنوع من الألم واللذة، وإذا كان الله سبحانه وتعالى قد جعل في الجمادات شعورًا وإدراكًا تسبح ربها به وتسقط الحجارة من خشيته وتسجد له الجبال والشجر وتسبحه الحصى والمياه والنبات قال تعالى: ( وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم) ، ولو كان التسبيح هو مجرد دلالتها على صانعها لم يقل: ( ولكن لا تفقهون تسبيحهم) فإن كل عاقل يفقه دلالتها على صانعها وقال تعالى: ( إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق) والدلالة على الصانع لا تختص بهذين الوقتين وكذلك قوله تعالى: ( يا جبال أوبي معه ) ،والدلالة لا تختص معيته وحده وكذب على الله من قال التأويب رجع الصدى فإن هذا يكون لكل مصوت وقال تعالى: ( ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس) والدلالة على الصانع لا تختص بكثير من الناس وقد قال تعالى: ( ألم تر أن الله يسبح له من في السموات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه) فهذه صلاة وتسبيح حقيقة يعلمها الله وإن جحدها الجاهلون المكذبون، وقد أخبر تعالى عن الحجارة أن بعضها يزول عن مكانه ويسقط من خشيته، وقد أخبر عن الأرض والسماء أنهما يأذنان له وقولهما ذلك أي