الصفحة 17 من 56

يؤثر في البدن تأثيرًا مشاهدًا فيرى النائم في نومه أنه ضرب فيصبح وأثر الضرب في جسمه ويرى أنه قد أكل أو شرب فيستيقظ وهو يجد أثر الطعام والشراب في فيه ويذهب عنه الجوع والظمأ، وأعجب من ذلك أنك ترى النائم يقوم في نومه ويضرب ويبطش ويدافع كأنه يقظان وهو نائم لا شعور له بشىء من ذلك، وذلك أن الحكم لما جرى على الروح استعانت بالبدن من خارجه، ولو دخلت فيه لاستيقظ وأحس، فإذا كانت الروح تتألم وتتنعم ويصل ذلك إلى بدنها بطريق الاستتباع فهكذا في البرزخ بل أعظم فإن تجرد الروح هنالك أكمل وأقوى وهى متعلقة ببدنها لم تنقطع عنه كل الانقطاع فإذا كان يوم حشر الأجساد وقيام الناس من قبورهم صار الحكم والنعيم والعذاب على الأرواح والأجساد ظاهرًا باديًا أصلًا ومتى أعطيت هذا الموضع حقه تبين لك أن ما أخبر به الرسول من عذاب القبر ونعيمه وضيقه وسعته وضمه وكونه حفرة من حفر النار أو روضة من رياض الجنة مطابق للعقل وأنه حق لا مرية فيه، وإن من أشكل عليه ذلك فمن سوء فهمه وقلة علمه أتي كما قيل:

وكم من عائب قولًا صحيحًا ... وآفته من الفهم السقيم

وأعجب من ذلك أنك تجد النائمين في فراش واحد وهذا روحه في النعيم ويستيقظ وأثر النعيم على بدنه وهذا روحه في العذاب ويستيقظ وأثر العذاب على بدنه وليس عند أحدهما خبر عند الآخر فأمر البرزخ أعجب من ذلك.

[و] أن الله سبحانه جعل أمر الآخرة وما كان متصلًا بها غيبًا وحجبها عن إدراك المكلفين في هذه الدار وذلك من كمال حكمته وليتميز المؤمنون بالغيب من غيرهم فأول ذلك أن الملائكة تنزل على المحتضر وتجلس قريبًا منه ويشاهدهم عيانًا ويتحدثون عنده ومعهم الأكفان والحنوط، إما من الجنة وإما من النار ويؤمنون على دعاء الحاضرين بالخير والشر وقد يسلمون على المحتضر ويرد عليهم تارة بلفظه وتارة بإشارته وتارة بقلبه حيث لا يتمكن من نطق ولا إشارة...

[و] أن النار التي في القبر والخضرة ليست من نار الدنيا ولا من زروع الدنيا فيشاهده من شاهد نار الدنيا وخضرتها وإنما هي من نار الآخرة وخضرتها وهى أشد من نار الدنيا، فلا يحس به أهل الدنيا فإن الله سبحانه يحمي عليه ذلك التراب والحجارة التي عليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت