الصفحة 16 من 56

العقول وتقطع باستحالته بل أخبارهم قسمان:

أحدهما: ما تشهد به العقول والفطر، الثاني: مالا تدركه العقول بمجردها كالغيوب التي أخبروا بها عن تفاصيل البرزخ واليوم الآخر وتفاصيل الثواب والعقاب، ولا يكون خبرهم محالًا في العقول أصلًا، وكل خبر يظن أن العقل يحيله فلا يخلو من أحد أمرين إما يكون الخبر كذبًا عليهم أو يكون ذلك العقل فاسدًا وهو شبهة خيالية يظن صاحبها أنها معقول صريح قال تعالى: (ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدى إلى صراط العزيز الحميد) وقال تعالى: ( أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى ) وقال تعالى: (الذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه ) والنفوس لا تفرح بالمحال، وقال تعالى: ( يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا) والمحال لا يشفي ولا يحصل به هدى ولا رحمة ولا يفرح به فهذا أمر من لم يستقر في قلبه خير ولم يثبت له على الإسلام قدم وكان أحسن أحواله الحيرة والشك.

[و] أن الله سبحانه جعل الدور ثلاثة دار الدنيا ودار البرزخ ودار القرار وجعل لكل دار أحكامًا تختص بها وركب هذا الإنسان من بدن ونفس وجعل أحكام دار الدنيا على الأبدان والأرواح تبعًا لها ولهذا جعل أحكامه الشرعية مرتبة على ما يظهر من حركات اللسان والجوارح وإن أضمرت النفوس خلافه، وجعل أحكام البرزخ على الأرواح والأبدان تبعا لها فكما تبعت الأرواح الأبدان في أحكام الدنيا فتألمت بألمها والتذت براحتها وكانت هي التي باشرت أسباب النعيم والعذاب تبعت الأبدان الأرواح في نعيمها وعذابها، والأرواح حينئذ هي التي تباشر العذاب والنعيم فالأبدان هنا ظاهرة والأرواح خفية والأبدان كالقبور لها، والأرواح هناك ظاهرة والأبدان خفية في قبورها، تجرى أحكام البرزخ على الأرواح فتسرى إلى أبدانها نعيمًا أو عذابًا، كما تجرى أحكام الدنيا على الأبدان فتسرى إلى أرواحها نعيمًا أو عذابًا.

فأحط بهذا الموضع علمًا واعرفه كما ينبغي يزل عنك كل إشكال يورد عليك من داخل وخارج.

وقد أرانا الله سبحانه بلطفه ورحمته وهدايته من ذلك أنموذجًا في الدنيا من حال النائم فإن ما ينعم به أو يعذب في نومه يجرى على روحه أصلًا والبدن تبع له، وقد يقوى حتى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت