في فمه، وهذا موجود، فإذا كان النائم يحصل لروحه وبدنه من النعيم والعذاب ما يحس به والذي إلى جنبه لا يحس به حتى قد يصيح النائم من شدة الألم أو الفزع الذي يحصل له ويسمع اليقظان صياحه وقد يتكلم إما بقرآن وإما بذكر وإما بجواب، واليقظان يسمع ذلك، وهو نائم عينه مغمضة ولو خوطب لم يسمع، فكيف ينكر حال المقبور الذي أخبر الرسول أنه:"يسمع قرع نعالهم"، وقال:"ما أنتم أسمع لما أقول منهم"؟ والقلب يشبه القبر، ولهذا قال لما فاتته صلاة العصر يوم الخندق:"ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارًا"، وفى لفظ:"قلوبهم وقبورهم نارًا". وَفرَّق بينهما في قوله: { بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ } ، وهذا تقريب وتقرير لإمكان ذلك.
ولا يجوز أن يقال ذلك الذي يجده الميت من النعيم والعذاب مثلما يجده النائم في منامه، بل ذلك النعيم والعذاب أكمل وأبلغ وأتم وهو نعيم حقيقي وعذاب حقيقي، ولكن يذكر هذا المثل لبيان إمكان ذلك، إذا قال السائل: الميت لا يتحرك في قبره والتراب لا يتغير ونحو ذلك مع أن هذه المسألة لها بسط يطول وشرح لا تحتمله هذه الورقة"."
وقال - أيضًا - ( كما في مجموع الفتاوى 4/262) :"مذهب سائر المسلمين، بل وسائر أهل الملل إثبات القيامة الكبرى وقيام الناس من قبورهم والثواب والعقاب هناك، وإثبات الثواب والعقاب في البرزخ ما بين الموت إلى يوم القيامة، هذا قول السلف قاطبة وأهل السنة والجماعة، وإنما أنكر ذلك في البرزخ قليل من أهل البدع، لكن من أهل الكلام من يقول هذا إنما يكون على البدن فقط كأنه ليس عنده نفس تفارق البدن كقول من يقول ذلك من المعتزلة والأشعرية."
ومنهم من يقول بل هو على النفس فقط بناء على أنه ليس في البرزخ عذاب على البدن ولا نعيم كما يقول ذلك ابن ميسرة وابن حزم، ومنهم من يقول بل البدن ينعم ويعذب بلا حياة فيه..."، إلى أن قال:"بل القرآن قد بين في غير موضع بقاء النفس بعد فراق البدن وبين النعيم والعذاب في البرزخ"."
وابن القيم (في الروح 1/281) نقل كلام شيخه ابن تيمية هذا ثم ذكر الأدلة، وفصل في المسألة كذلك، فليرجع إلى تفصيل الشيخين لأهميته في هذه القضية الخطيرة.
ولابن القيم (في الروح1/309) جواب حول إشكالات الملاحدة والزنادقة فيما يتعلق بأحوال البرزخ ومنه قوله:"أن يعلم أن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم لم يخبروا بما تحيله"