صرف أبصار العباد وأسماعهم عن مشاهدة ذلك وستره عنهم إبقاء عليهم لئلا يتدافنوا وليست للجوارح الدنيوية قدرة على إدراك أمور الملكوت إلا من شاء الله وقد ثبتت الأحاديث لما ذهب إليه الجمهور كقوله:"إنه ليسمع خفق نعالهم"وقوله:"تختلف أضلاعه لضمة القبر"وقوله:"يسمع صوته إذا ضربه بالمطراق"وقوله:"يضرب بين أذنيه"وقوله:"فيقعدانه"وكل ذلك من صفات الأجساد"."
وقال العلامة أبو عبد الله القرطبي عن علاقة الروح بالجسد في القبر ( في كتابه التذكرة في أحوال الموت وأمور الآخرة ص 124) :"الإيمان بعذاب القبر وفتنته واجب، والتصديق به لازم حسب ما أخبر به الصادق، وأن الله تعالى يحيي العبد المكلف في قبره برد الحياة إليه ويجعله من العقل في مثل الوصف الذي عاش عليه؛ ليعقل ما يسأل عنه وما يجيب به، ويفهم ما آتاه من ربه، وما أعد له في قبره من كرامة وهوان، وبهذا نطقت الأخبار عن النبي المختار صلى الله عليه وسلم وعلى آله آناء الليل وأطراف النهار، وهذا مذهب أهل السنة والذي عليه الجماعة من أهل الملة ولم تفهم الصحابة الذين نزل القرآن بلسانهم ولغتهم من نبيهم عليه السلام غير ما ذكرنا وكذلك التابعون بعدهم إلى هلم جرا".
وعن علاقة الروح بالجسد في القبر سئل شيخ الإسلام - رحمه الله - ( كما في مجموع الفتاوى 4/282) :
"عن عذاب القبر، هل هو على النفس والبدن أو على النفس دون البدن، والميت يعذب في قبره حيًا أم ميتًا، وإن عادت الروح إلى الجسد أم لم تعد فهل يتشارك في العذاب والنعيم أو يكون ذلك على أحدهما دون الآخر؟".
فأجاب:"بل العذاب والنعيم على النفس والبدن جميعًا باتفاق أهل السنة والجماعة، تنعم النفس وتعذب منفردة عن البدن، وتعذب متصلة بالبدن، والبدن متصل بها، فيكون النعيم والعذاب عليهما في هذه الحال مجتمعتين، كما يكون للروح منفردة عن البدن."
.... وفى المسألة أقوال شاذة ليست من أقوال أهل السنة والحديث: قول من يقول إن النعيم والعذاب لا يكون إلا على الروح وأن البدن لا ينعم ولا يعذب وهذا تقوله الفلاسفة المنكرون لمعاد الأبدان وهؤلاء كفار بإجماع المسلمين، ويقوله كثير من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم الذين يقولون لا يكون ذلك في البرزخ وإنما يكون عند القيامة من القبور"، إلى أن قال:"والقول الثالث الشاذ قول من يقول إن البرزخ ليس فيه نعيم ولا عذاب، بل