تفسير الآيات المذكورة، وكأن المصنف قدم ذكر هذه الآيات لينبه على ثبوت ذكره في القرآن، خلافًا لمن رده وزعم أنه لم يرد ذكره إلا من أخبار الآحاد، فأما الآية التي في الأنعام فروى الطبراني وابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: { وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ } قال: هذا عند الموت، والبسط الضرب يضربون وجوههم وأدبارهم. ويشهد له قوله تعالى في سورة القتال: { )َكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ } ، وهذا وإن كان قبل الدفن، فهو من جملة العذاب الواقع قبل يوم القيامة، وإنما أضيف العذاب إلى القبر لكون معظمه يقع فيه، ولكون الغالب على الموتى أن يقبروا، وإلا فالكافر ومن شاء الله تعذيبه من العصاة يعذب بعد موته ولو لم يدفن، ولكن ذلك محجوب عن الخلق إلا من شاء الله،..."قوله: (وقوله تعالى: { وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ } ، الآية ... وسيأتي في الكلام على حديث ابن عمر أن هذا العرض يكون في الدنيا قبل يوم القيامة، قال القرطبي الجمهور على أن هذا العرض يكون في البرزخ، وهو حجة تثبت عذاب القبر، وقال غيره: وقع ذكر عذاب الدارين في هذه الآية مفسرًا مبينًا، لكنه حجة على من أنكر عذاب القبر مطلقًا لا على من خصه بالكفار، واستدل بها على أن الأرواح باقية بعد فراق الأجسام، وهو قول أهل السنة واحتج بالآية الأولى على أن النفس والروح شيء واحد لقوله تعالى: { أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ } والمراد الأرواح"...
ثم قال - رحمه الله-: (ص235 ) :"وذهب ابن حزم وابن هبيرة إلى أن السؤال يقع على الروح فقط من غير عود إلى الجسد، وخالفهم الجمهور فقالوا: تعاد الروح إلى الجسد أو بعضه كما ثبت في الحديث ولو كان على الروح فقط لم يكن للبدن بذلك اختصاص، ولا يمنع من ذلك كون الميت قد تتفرق أجزاؤه؛ لأن الله قادر أن يعيد الحياة إلى جزء من الجسد، ويقع عليه السؤال، كما هو قادر على أن يجمع أجزاءه، والحامل للقائلين بأن السؤال يقع على الروح فقط أن الميت قد يشاهد في قبره حال المسألة لا أثر فيه من إقعاد ولا غيره، ولا ضيق في قبره ولا سعة، وكذلك غير المقبور كالمصلوب وجوابهم أن ذلك غير ممتنع في القدرة، بل له نظير في العادة وهو النائم فإنه يجد لذة وألمًا لا يدركه جليسه، بل اليقظان قد يدرك ألمًا أو لذة لما يسمعه أو يفكر فيه ولا يدرك ذلك جليسه، وإنما أتى الغلط من قياس الغائب على الشاهد وأحوال ما بعد الموت على ما قبله، والظاهر أن الله تعالى"