فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 185

ويفترض خطابنا النقديّ المعاصر أيضًا انتماءه إلى الحداثة. وهذا الانتماء يعني أن يكون لكل تيّارٍ فيه، ولكلّ اتجاهٍ، طريقته في اختبار فرضيّاته ومفهوماته وأفكاره وسلوكاته... ولذلك كانت المراجعة النقديّة التي يشتغل عليها مراجعة تنتمي إلى الذات أو الأمّة، سواء أعبرت عن مشروع نهضةٍ، أم تناولت مشروع ثورةٍ، أم خلخلت مشروع حداثة. كما كانت أيضًا، مراجعة تحاول"نقد الذات"أوّلًا: تاريخ قوى وعلاقاتٍ وأفكارًا وحركةَ بشرٍ ونخباتٍ وطبقاتٍ... ويتّسع النقد لكل القضايا: الذات والآخر، التراث والحداثة، الواقع والفكر، المجتمع والدولة، السلطة والنخبة، الدين والسياسة، الفرد والمؤسّسة وغيرها وغيرها...

ويتدرّب النقد على أن يكون عادلًا فيصغي لمشروعات اختلفت من قبل، وجابه بعضها بعضًا، وتختلف الآن، ويجابه بعضها بعضًا... يدرس مشروع إصلاح إسلامي سابق ولاحق، ويتناول مشروع عمل قومي وقومي اشتراكي ذبلت إمكانيّاته، ويتأمّل مشروع ممارسةٍ ماركسيّةٍ أو ماركسيةٍ عربية هُشمت، وهمّشت، ويستكشف احتمالات هذا المشروع أو ذاك وإمكانيّات تجديده وتجدّده. وقد يلاحظ عناصر مؤتلفة في تيّارات واتّجاهات ونزعات وميول، ربّما كانت مختلفة دائمًا، فعملت مختلفة، وفشلت مختلفة، فلم تنتج وحدتها من داخل الكثرة والتنوع والتعدّد، لأنها لم تتكيّف مع الاختلاف، ولم تكيّفه، ولم تنتج مفهومه الذي تستدعيه حريّةُ كلٍّ في أن يفكّر، ويعمل بشكل مختلف!

وإذا كان النقد ممكنًا فإن كلَّ مفهوم قابلٌ للنقد، وكلَّ موضوعٍ قابل للنقد أيضًا... كلُّ شيءٍ قابل للنقد بمعنى ما. ولكن النقد يتطلّب بيئةً تدرّبت عليه بمعنى ما، وتستطيع أن تأتلف، إذا اختلفت، وأن تختلف، إذ ائتلفت!...

المراجعة النقديّة الراهنة هي مراجعاتٌ تقوّض أجوبة احتمت بها تيارات واتجاهات وميول ونزعات قليلًا أو كثيرًا...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت