فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 185

يرى د.برهان غليون في خطاب الهويّة دليلًا على القطيعة المستمرّة في التاريخ الذاتي وفي خطاب الحداثة دليلًا على القطيعة في التاريخ الموضوعيّ. وهما يشكلان مظهرًا واحدًا لفصام الوعي. ومشكلة الهويّة لا تتعلّق، عنده بالتراث، وإنما بعلاقتنا مع العصر والمعاصرة، أمّا إجهاض الحداثة فلا يعود إلى مقاومة البنى التقليديّة، ويصل إلى نتيجة مفادها أنّه ينبغي الخروج من نقد التراث وتكييفه أو تحويره إلى نقد العقل... عقل الحداثة وفكرها. وما العقل عنده؟ العقل هو نحن... نظام تفكير الراهن! ولكن! أيّة حداثة هذه؟ وأيّ عقل ينتمي إليها؟.. ألا ينتجهما واقع ما، ويشرطهما تاريخٌ ما، ويعبّران عن وضع بشرٍ في مجتمع ما؟

ويفترض، بالمقابل، مطاع صفدي أن فكر القطيعة في المشروع الثقافي العربي لم يقطع مع شيء حقًّا ليصل مع شيء آخر حقًّا، لأن فكر القطيعة ـ وفقًا لتعبيره الخاص ـ لم يفكّر في ذاته حتى الآن! وكان قد لاحظ أن صيغة العقل الغربي الأولى، والتي منحته الريادة والقيادة، أنه هو العقل الذي ينقد دائمًا، وأوّل ما ينقد هو ذاته... بل إن العقل هو النقد الخالص باعتباره يرادف إنتاجه، ويصاحبه دائمًا، لا يعلو فوقه، ولا يتخلى عنه!

هل يختار الخطاب العربيّ الآن نقد عقله متأثّرًا بخطاب غربيّ ينقد ذاته دائمًا، أي نقد عقله؟

أليس الفكر الذي ورثناه عن السلف، أو ما يسمّيه بعضهم التراث، يدور كلّه حول العقل، كما يستخلص عبد الله العروي في خاتمة كتابه (مفهوم العقل) على الرغم من أنّ تطبيق ذلك العقل المفترض يؤدي غالبًا ـ كما يرى ـ إلى نتائج محبطة.. ولذلك لا يكون العقل عقلانيّة إلاّ إذا انطلقنا من الفعل وخضعنا لمنطقه، وأبدلنا بالمنطق الموروث منطق العقل.... (44) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت