فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 185

وكأنّه ينظر إلى العقل العربي بوصفه نتاج الثقافة العربية الإسلامية التي تأسّست على نظم معرفيّة ثلاثة: نظام معرفي لغويّ عربيّ الأصل، ونظم معرفيّ غنوصي فارسي هرمسيّ الأصل، ونظام معرفي عقلانيّ يوناني الأصل، كما ورد في كتابه التراث والحداثة. أو كأن لكلّ نظامٍ معرفيّ مرادفه عنده من أنواع المعقول ومراتبه، كما يلاحظ جورج طرابيشي، فالبرهان يطابقه المعقول العقليّ، والبيان يلازمه المعقول الدينيّ، أمّا العرفان فيحتلّ موقعه في أسفل الهرم، بوصفه مملكة اللامعقول المظلمة (40) .

إنّ د.الجابري، متأثرًا بحفريّات فوكو أو بالإبستميّة عنده يلغي تنوعًا أو كثرة، بل تعددًّا فضاؤه الثقافي العربي الإسلامي يعبّر عن تفاعل وتداخل وتجاور ووحدة، فقد تآوى فيه إنتاج مؤمنين ودهريّين وزنادقة، وفلاسفة وشعراء وكتّاب ومتكلّمين وفقهاء مارسوا التعبير عن أنفسهم، ومارسوا حريّتهم في الانتماء والنقد على هذا النحو أو ذاك، ولا يُحْصَر إنتاجه في هذا النظام المعرفي أو ذاك بشكل حاسم، فالأنظمة المعرفية الثلاثة متداخلة، وبينها عناصر مشتركة بقدر ما بينها من عناصر مختلفة. كما أن العقل يشمل البيان والبرهان، العلم والعرفان، الواقع والرمز، ليمارس العقل البشريُّ وحدته على نحو عميق وخلاّق، كما يرى د.علي حرب (41) .

وأيّة مظاهر رئيسة لظاهرة استقالة العقل تبدو في انتصار"العرفان"، وتحوّل"البيان"إلى (عقل ـ عادة) و (البرهان) إلى (عادة ـ عقليّة) كما يرى الجابري؟ وهل هي مصدر"استقالة حتى اليوم في كثير من الأوساط الثقافية إن لم يكن في كلّها تقريبًا، إذا لم نذكر الأغلبية الساحقة من الجماهير الأمية؛ على حدّ تعبير الجابري أيضًا!..."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت