فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 185

الخطاب النقدي العربي يتدرّب على النقد بعامّة. ويعكس واقعًا أنتجه، وينتجه، كما يعكس تطوّره علاقةً ما مع العالم الآخر، يحاول عبرها أن يكون منتميًا وحضاريًا، كونيًّا وشاملًا، يتكامل فيه نقد الذات بنقد الآخر، ويتدرّب على نقد الأنموذجات كلّها، فينزع عنها قداستها: أصولية ، وسلفية، وتنويرية، وثورية، تراثية، وحداثية، دينية، وعلمية، قومية وماركسية، عربية وغربية. ويؤصّل لبعض مفهوماته ومبادئه واستراتيجيّاته، ويعرّب بعضها، وبعضها الآخر يستعيره، فلعلّه ينتج لغته هو غير الغريبة وغير المغرَّبة!

إنّه خطابنا بمعنى ما، ينتمي إلينا، نحن، أوّلًا! ولذلك لم يمتلك شجاعة تسمية الأشياء والأسماء والعلاقات في الواقع.. تسمية كلّ شيء بما هو عليه من قبل، والآن، وبما سيكون عليه فيما بعد،... وهو لا يمتلك هذه الشجاعة لأننا جماعة لم تمتلكها بعد، ولم يمتلكها واقعنا الذي تهجم عليه حداثة إنسانية ومتوحّشة، بهيّة وقبيحة، تستهوي تأخرّه، وتعزّيه وتغويه بما هو متوحّش

وقبيح فحسب!.

إنّه يتدرّب على النقد، وتلك هي مهمّته الواجبة والممكنة حتى الآن، مادامت كائناته الآدميّة التي هي بشر واقعيّون تتدرّب على الحياة بدلًا من أن تحيّاها حقًا، وتتساءل عن جنس الملائكة بدلًا من أن تتساءل عن واقعها الآدمي الذي هو مصدر شقائها الدنيوي!..

متى يتخطّى مرحلة تدرّبه على النقد، ويتجاوزها؟ ومتى يتحوّل إلى نقدٍ، وإلى وعيٍ في مستوى الفعل، ويكون فيه العقل عقلانيًا؛ يؤسّس لخطابه المضاد والمختلف بعامة؟

ألا يتطلب التدرّب على النقد تدرّبًا على الديمقراطيّة يحرّر الواقع، فيؤسّس النقد لفرضياته التي لا تعمل فقط على تفسير الواقع، وإنّما تعمل على تغييره، بدلًا من أن تبقى في مستوى الكلام الذي لا يتحرر إلا بوساطة الفعل، بل لا يتحرر إلا إذا تحوّل إلى فعلٍ حقًا!

( هوامش ومراجع:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت