ولذلك فإن إزالة التصوّر الأيديولوجي التقليدي أصعب ما يواجهه الفكر الثوري، بلغة تلك الأيّام! (34) .
ويلفت د.محمد أركون الانتباه إلى مسألة التأخّر الذي يعاني منه الفكر الإسلامي بسبب ضغط الرقابة الأيديولوجية الصارمة والمعمّمة على كافّة الفئات الاجتماعيّة وعلى مستويات الثقافة في البلدان العربية الإسلامية... وينبغي، برأيه، تجاوز المفهوم التقليدي للاجتهاد والممارسة العقليّة المرتبطة به، عن طريق النقد والنقد الحديث للعقل... (35) .
وينتبه جورج طرابيشي إلى معالجة مختلفة لموضوع الدين في الحياة العربية، فيعتبر أن مهمّة ثورةٍ لاهوتية لا تزال مطروحة على جدول أعمال العقل العربي، ويزيد ضرورتها إلحاحًا ما يشهده العالم العربيّ من صحوةٍ أو رّدّةٍ أصوليّة لما يسمّى بالأصوليّة التي يراها محض مرادفٍ لتسييس العقيدة القويمة. ويستنتج أنه إذا امتنع العقل الدينيّ، وطال امتناعه عن الاشتغال، فلا مناص أن يقوم العقل الفلسفي مقامه، فيمارس فعاليّته، أوّل ما يمارس كعقلٍ لاهوتي. بل يذهب إلى أكثر من ذلك، فيرى أنه في ظل غياب لاهوتٍ إسلاميّ لن ترى النور فلسفة عربية، وبخاصة في سياقٍ ثقافيٍّ لا يزال الدين يمثّل عقل كلّ المجتمع فيه (36) .
الخطاب النقدي، بميوله المختلفة والمتعدّدة، يتوقّف عند موضوع الفكر الديني أو العقل الديني أو العقلية الدينية، ويتأمّل ظاهرة"الأصول"كجزء من ذاكرةٍ جماعة يغلب على حاضرها حضور الماضي الذي يرتبط بالدين، ويعبّر عن مستويات من التدّين معلنةً ومضمرةً، تشرطها أوضاعٌ تاريخيّة واجتماعية لمذاهب وفرق وملل توفّق بين ماضيها وحاضرها، إذ اصطدمت بحداثةٍ لا تنتجها، ولا تشارك في إنتاجها، ولا تستطيع أن تحيا خارجها، كما لا تستطيع أن تنجز مشروع"ذاتها"من داخلها حتى الآن!