يميّز د.محمد أركون أيضًا الخطاب النبويّ من الخطاب التنويريّ كخطابين تدشينيّين ولدّا تاريخًا جديدًا، ولكنّهما متقطّعان من حيث الزمن، ومتنافسان ومتداخلان. ويربط بين فتح العمليات العقليّة المغلقة منذ زمن طويل وفَتْحٍ ورشةٍ كبيرةٍ عن الدراسات القرآنيّة. ولكنّه يعلن دهشته من وضع نصر حامد أبو زيد الذي نشر دراسةً متواضعةً عن القراءة الألسنيّة للقرآن، فراحوا يلاحقونه في المحاكم. ويخلص إلى أنّ هذا الأمر لا يشجّع إطلاقًا على الانخراط في هذه البحوث المرغوبة من قبل المفكرّين الأحرار!
وسيفترض أن ظاهرة العولمة أخذت تقلب جميع التراثات الثقافية والدينيّة والفلسفيّة والقانونيّة التي عرفتها البشرية حتى الآن، بما فيها تراث الحداثة المتولّدة، من قبل التنوير، فهذه الحداثة، على الرغم من تفوّقها وأهمّيتها، لن تنجو من عملية القلب والتغيير... الخ.
وهل الأصولية إذًا، مدعوة لمراجعة نفسها، ونقدها، لتتأقلم، مع العولمة؟ وهل تحرّضنا العولمة على حوار مختلف، فيستبعد آليّات قمعية، ويُعْتَرف بحق الحرية والبحث عن الحقيقة؟ وهل ننتظر"رضّة"أخرى أو"صدمة"ثانية؟
من جهة أخرى يفترض د.طيّب تيزيني أنه يصحّ النظر إلى كلّ نصّ على أنّه نصّ أصيل كائنًا ماكانت صيغه ومستوياته وآفاقه. فالأصالة، برأيه،هي ضبط منطقيّ اصطلاحي في حدود انتماءاته الضروريّة لعصره داخلًا وخارجًا، ولتاريخه ولتراثه... أي أنه لا سبيل للتشكيك في أنّه ـ أي النصّ ـ ينتمي لوضعيّة اجتماعيّة مشخّصة. وإذا كان كلّ نصٌّ"أصيلٌ"فما مدى"أصالة"تلك الشروح والشروح الفرعيّة وشروح الشروح التي اقترحتها مذاهبٌ وفرقٌ وملل عبر تطوّرات تاريخية مختلفة، وتمثّل وضعيّات اجتماعية مشخّصة؟..