ولم تكن"البذور"الفكريّة العلميّة والعلمانية تابعةً لصدمة حضارية وفّرتها مواجهةٌ مع غرب"استعماريّ"أو"إمبريالي"و"صهيوني"فيما بعد، ويفسّرها"لقاء"مع غربٍ وشرقٍ اشتراكيين، في مرحلة تالية، فقد كان ثمّة"عالمٌ"يتغير دائمًا ... تتداخل أمكنته، وتتواصل، وتتفاعل، وقوى تنمو في الداخل، وقوى تذبل، وعلاقات إنتاج تتهشّم، ومعاناة بشرٍ تتقدّم بتقدّم الحياة والواقع ... بل إن عالمًا قديمًا يتآكل بسرعة، ويتشكّل من داخله عالمٌ آخر مختلف قليلًا أو كثيرًا، وإذا كانت"سياساتٌ"ما قبل قومية، ضعيفة، ومتأخرّة قد أخفقت في إنتاج مجتمعاتها عبر مشروع"نهضة"أو مشروع"ثورة"، وهُزمت بفعل علاقةٍ خاصة بين"الداخل"و"الخارج"؛ فإن للأفكار أن تعيد النظر في ذاتها، وللأحلام أن تسائل يوتوبياها، وللأشواق أن تتخلّى عن وساوسها، بفعل الحياة والواقع ...
ولذلك كان الخطاب العربي المعاصر خطاب"إعادة نظر"دائمًا!
هل كان هذا الخطاب من إفراز"الرضّة"الحزيرانية كما كان الخطاب الحديث والنهضويّ من إفراز"الصدمة"النابوليونيّة، وكانت العلاقة بينهما علاقة قطع ونكوص، فورث عنه استعداداتٍ مرضيّة، واتسم بازدواجية مستعصية على الحل بين روح المنافحة وروح النقد، كما يفترض جورج طرابيشي؟ (1) .
ألم يكن ثمة"رضّة"و"صدمة"دائمًا؟ ألم تتكاثر، وتتكاثر،"رضّات"و"صدمات"مفاجئة ومتوقّعة في تاريخ العرب الحديث والمعاصر الذي هو تاريخ من صنع الآخر بمعنى ما، أقحموا فيه، وألحقوا، كما أقحموا، وألحقوا، في تاريخ العالم؟