وكان على الخطاب العربي أن يتأمّل ذاته، وأن يتفاعل، أو يتواصل مع خطاب تنوير وحداثة، دون أن ينفذ إلى شبه قوى وشبه طبقات أو إلى بشر واقعيّين، فهو لم تنتجه نخبةٌ حديثةٌ أو شبه نخبة تمتلك مجتمعات حديثة قادرةً على إنتاجها، تحاصره أصولٌ يفترض انتماءه إليها، ويتناقض معها، كما تحاصره"تطوّرات"حداثةٍ في خطاب غربي يمتلك القدرة على تجاوز ذاته وتخطّيها دائمًا، أيّ يمتلك احتمالاتٍ دائمة ومفتوحة على النقد بعامّة، وعلى نقد الذات بخاصّة!
ولكن الخطاب العربي المعاصر يتقدّم بمعنى ما، وتقدّمه نسبيّ طبعًا، والتقدّم نسبيّ أيضًا، وممكن أيضًا، كلّما كانت الثقافة نقدية.
وهو، على أية حال، مشروع خطابٍ يشتمل على ما هو أصوليّ وإصلاحيّ، وعلى ما هو سلفيّ وتوفيقيّ، وعلى ما هو شبه حديثٍ ومُستعار، وعلى ما هو حديث ومستورد، وعلى ما هو متصالح وضدّي ... يعلن تناقضه مع ذاته ومع الآخر، ويعيد النظر فيهما ... يخفق وينجح في بحثه عن ذاته من داخل أصوله، ومن داخل حداثةٍ تهجم عليه. ويفتتح أكثر من أفق للاختلاف والمغايرة بحثًا عن هويته، عبر علاقة قلقةٍ ومرتبكةٍ بين الذات والآخر!
إنه يتدرّب على النقد حقًا! وما زال أكثر من اتجاه فيه يستكشف عوامل فشله أيديولوجيةً وفلسفةً وسياسةً وإبداعًا، كما أن أكثر من اتجاه ينبّه إلى أنّه بديل، أو إلى أنه هو أوّل الطريق، وفي كلّ مرحلة عاصفة أو شبه عاصفة كان ثمة اتجاه يريد أن يكون هو أوّل، أو الأوّل، ويرغب في أن يؤّسس لمشروع فكر عربيّ معاصر وثقافةٍ معاصرةٍ، وكانت اختياراته تتداخل مع اختياراتٍ أخرى بموادها ومراجعها وشعاراتها، تبعًا لعلاقة كلٍّ منها بذاكرة مرجعيةً بعيدة أو قريبة، وتبعًا لأحوال قوى وشبه قوى واقعيّة.