وينتبه باروت إلى تداخل طبقيّ اجتماعي بين الإخوانية والناصرية، إذ انقلبت الناصرية ساداتيةً والإخوانية جهاديةً. وانتهت مدرسةً كمدرسة السباعي الإخوانيّة الشعبويّة التعدّدية، والمنتمية للفئات الوسطى، والتي قالت باشتراكية إسلامية تعادل الاشتراكية العربية، انتهت إلى إنتاج أكثر الإسلاميين تعصّبًا وإلى فهم موحد عند الجهاديّة...
وكان قد لاحظ الانتقال من تكفير الدولة إلى تكفير الأمّة عند (سيّد قطب) وتحوّل دار الإسلام إلى دار حرب بعكس (الهضيبي) الذي يرى أن (الحاكمية) لا ترد في أيّة آيّةٍ من الذكر الحكيم. كما لاحظ أن الحركة الدينيّة الإخوانيّة في تونس ستتحوّل إلى حركةٍ نهضويّة مندمجة في المجتمع التونسي، وتستعير خطابها الإخواني من المشرق في مواجهة نموذج شعبوي تحديثي كاريزمي مضادّ للهويّة الثقافية العربية الإسلامية، وعلى نحو يدفع (الغنوشي) إلى تبنّي حوارٍ علماني إسلامي.
سيتم التراجع إذًا من نظام إصلاحيّ إلى نظام إخوانيّ إلى نظام جهاديّ ويرى الخطاب الأصوليّ علاقة الإسلام بالمجتمع عبر الدولة في حين يراها الخطاب الإسلامي عبر الفرد. (28) .
ولكن! إلى أي مدى يؤهل الواقع القوى المختلفة ويؤهبّها لحوارٍ علمانيٍ إسلامي؟ وأيّة علمنةٍ"جديدة"يمكن أن يقترحها هذا الحوار؟
أهو النظر إلى المشكلات المتعلّقة بالدين ـ كما يرى د.فؤادزكريا ـ كما لو كانت خارج نطاق الزمن... ومخاطبة إنسان القرن الحادي والعشرين الذي يتقرّب منّا بأسرع مما نتصوّر، بأسلوب القرن السابع أو الثامن، ولن تكون هي أفضل السبل إلى عقل ذلك الإنسان....
إن فكرة الحاكميّة، بصيغها المتعدّدة، هي النقيض المباشر للنزعة الإنسانيّة في التراث الفلسفي.... ولذلك يصل موقف الحركات الدينيّة المعاصرة من كلّ نزعة إنسانيّة إلى حدّ العداء الصريح.... (29) .