وفي سياق إشارته إلى بحث وليم جيمس (حريّة الاعتقاد) يناقش مشكلّة عامّة فكريّة وثقافيّة هي النزاع بين العلم والدين، فيجد أن فترة تتجاوز القرنين ونصف القرن قد مرّت على أوروبا قبل أن يتمكن العلم من الانتصار على العقلية الدينية السائدة، ومعركة العلم في البلدان النامية، ومنها الوطن العربي، تماثل معركة العلم مع الدين في أوروبا....
ويرى أن النظرة الدينية تعتبر الحقائق، كلّها، كُشفت في نقطة معيّنة وحاسمةٍ من التاريخ، فتوجّه أنظار المؤمنين إلى الماضي، بينما الروح العلميّة تجعل من الاكتشاف نشاطًا حركيًّا يتخطّى دائمًا منجزاته.... وقد تراجع الدين، كبديلٍ خياليٍ عن العلم في تفسير الأحداث، أمام الضعف المتزايد للثقافة العلميّة وضرورة التكيّف مع موجات العلمنة والتقدّم! وإذا كان الإله قد مات في أوروبا تحت تأثير المعرفة العلميّة، فإن احتضاره في المجتمعات المتخلّفة تمثيلٌ رمزيّ لحالة الثورة وفقدان الجذور التي تعانيها، فتصطنع نوعًا من التعايش بين الفكر العلمي وتطبيقاته مع التراث الدينيّ السحيق.
ويؤكد إخفاق الموقف التوفيقيّ بين العقل والإيمان، لأن المعتقدات الدينية نظام متماسك، إمّا أن يُقبَل كلّه، أو يتم التنازل عنه لمصلحة العلم. ولابدّ أن يتميّز موقف المثقف ثقافةً علمية من الدين من موقف المثقف ثقافة دينية من العلم.
ويتناول مواقف توفيقية يقيمها رجال الدين الإسلامي بين العلم بمناهجه والدين، بعضها تبريريّ وبعضها الآخر تعسّفيّ، وبعضها مجامل وبعضها الآخر منغلق، وبعضها تقليدي وبعضها الآخر منفتح...