إن نقد الأيديولوجيا العربية بتظاهراتها المختلفة دينيّةً وقوميّةً، وماركسيةً سيكون موضوع خطاب عربيّ معاصر بعد هزيمة قومية لم تتأخّر كثيرًا، وبعد ثورةٍ عربية لم تتأخّر كثيرًا فحسب، وإنما صاحب تأخرّها تآكل الثورة وقواها، وانفجار الحداثة، في عالم يشرط التفاؤل التاريخيّ بمراجعةٍ نقدية ونقدية ذاتية أكثر!
وقد سبق نقدُ الفكر القومي الهزيمة، وتزامن معها، وتلاها، أمّا نقد الفكر الديني على نحو أكثر وضوحًا فسيحفزه نقد الفكر القومي، وسيتجاوز نقد السياسة مع نقد الدين ويتفاعلان ويترابطان إلى هذا الحدّ أو ذاك ...
في كتابه (نقد الفكر الدينيّ) يقدّم د. صادق جلال العظم مجموعة أبحاثٍ تتصدّى على ما يرجو، بالنقد العلميّ والمناقشة العلمانية والمراجعة العصرية لبعض نواحي الفكر الديني (25) ويصدّرها بعبارة لياسين الحافظ حول وجوب نقد جميع جوانب المجتمع العربي الراهن وتقاليده نقدًا علميًا علمانيًا كواجبٍ أساسيّ من واجبات الطليعة الاشتراكية الثورية في الوطن العربي، ومنهجه هو التوجّه المباشر إلى الإنتاج الفكريّ الذي يشرح الأيديولوجية الغيبيّة، وينظّر لها، ويدافع عنها، بعد أن انحصر معظم النقد في هذا المجال، إثر هزيمة حزيران بتعميمات تندّد بالذهنيّة الغيبيّة الاتكاليّة التي أحيط تفكيرها بالقداسة، ووضع خارج النقد العلمي للظواهر، كما يقول.
لا يقصد د.العظم بالدّين ظاهرةً روحيّة ونقيّة وخالصة، ولا ظاهرة التسليم البسيط الساذج، وإنّما مجموعة معتقداتٍ وتشريعاتٍ وشعائر وطقوس تحيط بالإنسان. ولكنّه يعتبر الأيديولوجية الدينية بمستوييها الواعي والمعنويّ سلاحًا من أسلحة الرجعيّة وتعبيرًا عن بنياتٍ طبقيّة خاضعة للتحوّل الاجتماعي.