ولكن الوجه الإيجابي الكبير -برأي مرقص- للفكر القوميّ العربي هو إدراكه خطر التجزئة القومية، وإن تهرّب من مفهوم الصراع، صراع الطبقات والنّظم والدول ... والقومية عند مرقص جزء طبيعي وأساسي من الثورة البورجوازية وأيديولوجيا عصرها التاريخي، غير أن الضلال يبدأ مع الانتقال من الواقع والتمايز إلى التفوّق والعرقية ... أمّا الوحدة العربية فهي المسألة المركزيّة في الثورة العربية المعاصرة التي تهدف إلى إنشاء دولة العرب القومية ... بل إن الوحدة هي شرط التقدّم!
ويستخلص من تجربة الوحدة السورية المصرية دور العامل الذاتي، فالوحدة التي تفتقر إلى قسط من شروطها الموضوعية (الاقتصاد، التكامل الاقتصادي، وجود مراكز صناعيّة وافية ... وربّما الاتصال الجغرافيّ) تحتاج إلى أقصى ما يمكن من الوعي ... الوعي والتنظيم!
وترتقي المسألة النقديّة عند مرقص إلى مسألة نقد الذات، أي نقد الأمة، الذي يؤسّس على مفهوم الديمقراطية، فدون الديمقراطية لا مكان لأمّة حديثة أو لوحدة قوميّة، ولا بد أن يؤسِّس مفهوم الديمقراطية على مفهومي العقلانية والتقدّم!
ولذلك استطاع أن يقترح خطابًا قوميًّا مختلفًا من داخل نقد مختلف! (21) .
بعد بضعة عشر عامًا من كتاب (نقد الفكر القوميّ) ينشر ياسين الحافظ مؤلّفه (الهزيمة والأيديولوجيا المهزومة) الذي كتبت موضوعاته في فترة زمنيّة غير قصيرة، ويحدّد موضوعه الأول، وهو الهزيمة الكبرى التي عانتها، وتعانيها الأمّة العربيّة منذ وعد بلفور حتى اليوم. أما موضوعه الثاني فهو نقد الهزيمة نقدًا معمّقًا ينطلق من نقد السياسة إلى نقد المجتمع (22) .
ويؤكّد في أكثر من موضع على إطلاق عمليّة نقد ذاتي تخترق المجتمع العربيّ، لا السطح السياسيّ فقط، طولًا وعرضًا وعمقًا، بلا خوفٍ، وبلا مراعاة، وبلا تشفٍّ أيضًا.