هكذا يكرّر الأنموذج الأصوليّ فرضيّاته، وإن اختلفت ميوله ونزعاته واتجاهاته التي تلتقي على مفهومي العودة إلى الإسلام القويم ورفض الحضارة الغربية. وسيشكّل هذان المفهومان محور تفكير الأصولية الحديثة والمعاصرة ومحور عملها أيضًا. وستكون مرجعيّتها الحقيقية أصولًا تالية للنصّ الأوّل وهوامش على الأصول، وهي جزء من التراث، لا التراث كلّه، تمثّل إسلامًا هو جزء من الإسلام الذي يشتمل على إسلامات أنتجها، وينتجها، تاريخ واقعي مشخّص، هو تاريخ بشرٍ وصراع قوى. وما الأصول وهوامشها، ذاكرةً ومرجعًا، بعامل تقبّل للتطورّات الكبرى التي تعصف بالعرب وبالمسلمين وبغيرهم في العالم، وليست بعامل تكيّفٍ وتكييف، وإن كانت مصدر قلقٍ وجاذبية لجيوب اجتماعية مختلفة، شعبيّة وغير شعبيّة، تمنحها بعض اليقين وبعض الأمل في برهة تفتقر إلى يقين وأمل!
إذا كان فكر"الأصول"يعنى بخطاب الأجوبة منذ مشروع النهضة الأوّل وحتى الآن فإنّ خطابًا نقديًا أو مشروع خطابٍ نقديّ، يحاول منذ بضعة عقود، أن يتناول أيديولوجية النهضة بالدراسة والنقد، ويحاول أيضًا أن يفكّك"فكّر"الثورة أو"التقدّم"بالإضافة إلى تحليل الأيديولوجيا القوميّة والأيديولوجيا الدينيّة، وسينتهي هذا النقد الإيجابي والفعّال إلى نقد العقل الإسلاميّ أو العقل العربيّ أو العقل العربيّ الإسلامي.
ويمثّل عمل الياس مرقص في كتابه (نقد الفكر القومي) مدخلًا إلى وعي الذات ونقدها، أو إلى (نقد الأمّة) (20) بالقدر الذي يشكّل نقده الماركسيّة في نسختها الستالينية والسوفياتية والعربية مدخلًا إلى تبيئة الماركسيّة وتعريبها.