فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 185

هكذا تختار نخبةٌ أو شبه نخبة شعار النقد الذاتي، إذ اختارت أن تنتمي إلى الحداثة ونصّها الغربي وأنموذجها الثقافي الغربي، ويبقى انتماؤها من الخارج، وفي مستوى الكلام، لا الفعل، ما دام ثمة واقع تاريخي وتاريخ واقعي يعبّران عن علاقة الكتلة الاجتماعية بالأصول، التي هي أصول"مذاهب"و"فرق"قبل أن تكون أصولًا تنتمي إلى النصّ الأول. ويعيد إنتاج وعي سلفي بالأصول يمثّل"أزمة"عقل اصطلح على تسميته عربيًا -إسلاميًا أو إسلاميًا عربيًا. وإسلاميًا وعربيًا. وكأن قطيعة أبستمولوجية أو أنطولوجية غير ممكنتين بعد بضعة قرون من الفوات والتأخّر. وسرعان ما يتحول كلام"الأصول"إلى مستوى الفعل، تجسّده جيوبٌ وحركاتٌ اجتماعية تهدف إلى الانتقال بالأصول من رموز إلى مؤسسة وقوّة وسلطة، سواء ألجأت إلى الحكمة والموعظة الحسنة أم اندفعت إلى آليات قمعيّة؛ وسواء أكانت سلفية محافظة أو إصلاحية أم كانت قمعية أو جهادية!

ولنتأمل شجرة الأصول بفروعها جيّدًا، فإنّها نامية حقًا في بيت ومدرسة ومؤسسة شبه قديمة وشبه حديثة ... ولنلاحظ أيضًا أنّ حداثاتٍ وشبه حداثات تشيع، بلبابها وقشورها، في المكان العربيّ، تقتحمه، وتقتحم حياة البشر الواقعيّة.

وكي لا يبقى النقد أو النقد المضاد في مستوى الكلام يفترض الجميع أن الواقع هو الواقع أولًا، وأن النيّة الطيّبة أو الرغبة المشروعة قد تزّينان لنا واقعًا ما وتاريخًا ما ومستقبلًا ما، ولكنهما لا تصنعان واقعًا مختلفًا وتاريخًا مختلفًا ومستقبلًا مختلفًا. وقد كانت الأصول حاضرة دائمًا، وستحضر أيضًا، على نحو غير عادل، بالقدر الذي تُفرض فيه أنموذجات حداثةٍ وشبه حداثة، صُنعت من خارجنا، ودون مشاركتنا.

وإذا لم تتحوّل الأصول إلى تراث، أي محض تراث، وإذا لم نمتلك تراثنا كلّه، فكيف ننجز حداثتنا التي هي جزء من حداثة العالم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت