ألا يستدعي هذا النقد الذاتيّ أن نتأمّل الشروط والعوامل التي أهلّت أوروبا الحديثة وأهبّتها لنقد الذات، وأن نناقش أوضاع النخب وأشباه النخب والقوى وأشباه القوى التي هي قادرة على إعادة النظر في ذاتها وتقويمها ونقدها. وهل تختلف فرضيّة استئناف جديد لعصر النهضة، عن فرضيّة تدشين عصر تدوين جديد أو فرضية عصر أنوار عربي، ما دامت هذه الفرضية أو تلك تدعو إلى نقد مزدوج، قوامه الرئيس نقد الذات ونقد الآخر؟
يقترح د. هشام شرابي مفهوم النقد الحضاريّ، كفكر يناهض أيديولوجية الفكر"الثوري"القديم وغيبيّات الفكر الأصولي النامي. وتتمثّل بداياته في الفكر النقدي الديمقراطي. وتكمن مهمّة هذا النقد الحديث وقدرته على تغيير الفكر، وفقًا لتعبيره، برفع مستوى الوعي الفردي والجماعي إلى مستوى النصّ النقدي الجديد وخطابه العلماني الجديد. ويتطلّب مشروع النقد الجذريّ إجراء تغيير أساسي في الفكر المسيطر والموضوعات والأشكال التي يتناولها، ويركّز عليها، وليس نقده فحسب، ويتوقّف عند ثلاث ظواهر تكمن في صميم ما يرمي هذا النقد الحضاري إلى كشفه: الحداثة وقضيّة المرأة والحركات الاجتماعية.