يتفاءل بعض أنصار الحداثة وما بعد الحداثة أيضًا، فيقرّر أن الحضارة السلفيّة أصبحت شظايا، فتفتّت، وتهشّمت أمام العقل الغربي المتحفّز ... بل إن اللغة السلفيّة شاخت، وشمس الشاعريّة القديمة أفلتْ -على حد تعبير د. سامي أدهم- وأصبح الجديد يدقّ أبواب الشرق بأسره منذرًا متوعّدًا ومشفقًا على أمجاد غابرة وحضارة سالفة ... وكأنه يكفي أن تتغيّر الكائنات الذهنية بتغيّر المعاني على المستوى الأنطولوجي -كما يرى- لتعكس منظورات جديدة في الإبداع والتجديد، ولنهجم على الحداثة وما بعد الحداثة، مع أن الوعي الشرقيّ المبهور يحاول لملمة وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من حضارة انتفخت وانفجرت غداة الثورة الفرنسية، على حد تعبيره أيضًا (15) . ومع ذلك فالعقل العربي لم يعثر على ذاته من خلال الحداثة، وما بعد الحداثة! ...
في مناقشة فرضية د. الجابري التي تدعو إلى تدشين عصر تدوين جديد يجد جورج طرابيشي أن الحاجة تدعو إلى استئناف جديد لعصر النهضة. ويتعيّن على العقل العربي في طور تكوين جديد له أن يعمل في اتجاه انفتاح نقدي مزدوج على الماضي، كما يتمثّل بالتراث، وعلى المستقبل، كما يتمثّل بالعصر.
وما من شيء هو برسم التدوين، بل كلّ شيء برسم إعادة الإنتاج وإعادة الاختراع ... والسبيل إلى إيجاد صلة نسبٍ بين العقل العربي والحداثة يراها في موضعة العقل العربي في سياقه المعرفي، وإخضاعه في بنيته الماضية والحاضرة لعمليّة نقدٍ ذاتي مماثلة لتلك التي أخضعت أوروبا الحديثة نفسها لها ... الخ (16) .