ولكنه يعتبر قصّة العقل الغربي مع ذاته ليست أمثولة للآخرين أو نموذجًا للتقليد أو بضاعة للاستيراد والتبادل، وإن اعتبرها قابلة لأن تكتب بغير حروفيّتها الأصليّة، كما أن نقد العقل الغربي هو نقد للعقل العربي، لأننا نقرأ فيه ما كان ينبغي لنا أن نكتبه.. الخ وفقًا لأسلوبه الخاص في التعبير.
ويشير إلى أن السؤال الفلسفي هو المركزي، هو المركز في عصر الحداثوية البعديّة، ويخرج السؤال من كونه سؤالًا فلسفيًا، إلى أن يكون سؤال الفلسفة، ولكن السؤال العربيّ عنده ليس بعدُ سؤالًا في السؤال ... ليس هو بعد لماذا؟ وغياب السؤال العربي، على هذا النحو، يعني أن يستمرّ في الإصغاء إلى سؤال الفلسفة الذي هو سؤال العقل الغربي!
ويعيد فشل المشروع التنويري في الغرب أو عدم اكتماله في الغرب إلى انفصالٍ في استراتيجيّة المعرفيّة، إذ لم يبق فيه إلا طوبائيته التي قد تحرك بعض القلق من حين إلى آخر لدى نخبة ثقافوية منعزلة ...
بالإضافة إلى استيعاب كلّ يوتوبيا ثقافويّة تلمع في بعض خلايا التمرّد الاجتماعي من قبل أيديولوجيا التقنية!
أمّا التنوير العربي المعاصر فقد سقط -كما يرى- في أسطرة التنمية كإجهاض منظّم لمولد النهضة، إذ ارتبطت عضويًا بالثروة النفطية، وطمست حقيقة التحدّي التاريخي الذي كان على المشروع الثقافي العربي أن يتصدّى
له ... الخ (14) .
وكأنّ نقد العقل الغربيّ هو شعار كمثل نقد العقل العربي، يفترض على نحو ميتافيزيقي عقولًا كليّة ومجرّدة ومطلقة ونهائية تتمايز بأنظمة يمكن أن تستكشف، فنفاضل بينها من خارج علاقتها بالواقع وتطوّراتها وبالقوى الواقعيّة وصعودها وهبوطها ... وكيف يتوقّع من فرضيّة كفرضيّة العقل الغربي أو العقل العربي أن تخدم نقد الآخر أو نقد الذات، وبخاصة عندما نسلّم بأن كلًا منهما إنتاج عصر مختلف وقيم مختلفة، وعالم مختلف في عالم هو حتى الآن عالم الغرب أولًا!